< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُها: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي، وقَوْلُها: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ:﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ في الكَلامِ، مِن حارَ الشَّيْءُ يَحُورُ حَوْرًا، أيْ رَجَعَ يَرْجِعُ رُجُوعًا، ومِنها: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ومِنهُ: فَما أحارَ بِكَلِمَةٍ، أيْ فَما أجابَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ كَلامَ مَن يُنادِيهِ، ويُبْصِرُ مَن يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللُّغَوِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ بَحْثانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟

الثّانِي: أنَّ المُظاهِرَ مَن هو ؟

وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ: وهو أنَّ المُظاهَرَ مِنها مَن هي ؟

أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: وهو أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟ فَفِيهِ مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: في البَحْثِ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ.

والثّانِي: وهو صاحِبُ النَّظْمِ، أنَّهُ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ الظَّهْرِ الَّذِي هو عُضْوٌ مِنَ الجَسَدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ الظَّهْرُ أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ الَّتِي هي مَواضِعُ المُباضَعَةِ والتَّلَذُّذِ، بَلِ الظَّهْرُ هَهُنا مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُوِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾[الكهف: ٩٧] أيْ يَعْلُوهُ، وكُلُّ مَن عَلا شَيْئًا فَقَدْ

صفحة ٢١٩

ظَهَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ المَرْكُوبُ ظَهْرًا؛ لِأنَّ راكِبَهُ يَعْلُوهُ، وكَذَلِكَ امْرَأةُ الرَّجُلِ ظَهْرُهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلُوها بِمِلْكِ البُضْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن ناحِيَةِ الظَّهْرِ، فَكَأنَّ امْرَأةَ الرَّجُلِ مَرْكَبٌ لِلرَّجُلِ وظَهْرٌ لَهُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى أنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الطَّلاقِ: نَزَلْتُ عَنِ امْرَأتِي، أيْ طَلَّقْتُها، وفي قَوْلِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَذْفٌ وإضْمارٌ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: ظَهْرُكِ عَلَيَّ، أيْ مِلْكِي إيّاكِ، وعُلُوِّي عَلَيْكِ حَرامٌ، كَما أنَّ عُلُوِّي عَلى أُمِّي ومِلْكَها حَرامٌ عَلَيَّ.

المَقامُ الثّانِي: في الألْفاظِ المُسْتَعْمَلَةِ بِهَذا المَعْنى في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ. الأصْلُ في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ ولَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورَيْنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الظَّهْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الأُمِّ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مَذْكُورًا، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ.

القِسْمُ الأوَّلُ: إذا كانا مَذْكُورَيْنِ وهو مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ لا مُناقَشَةَ في الصِّلاتِ إذا انْتَظَمَ الكَلامُ، فَلَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ أنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذِهِ الصِّلاتُ كُلُّها جائِزَةٌ، ولَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ صِلَةً وقالَ: أنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقِيلَ: إنَّهُ صَرِيحٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها كَظَهْرِ أُمِّهِ في حَقِّ غَيْرِهِ، ولَكِنَّ هَذا الِاحْتِمالَ كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثُمَّ قالَ: أرَدْتُ بِذَلِكَ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِها طالِقًا مِن جِهَةِ فُلانٍ.

القِسْمُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الأُمُّ مَذْكُورَةً، ولا يَكُونَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا، وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فِيهِ أنَّ الأعْضاءَ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها غَيْرَ مُشْعِرٍ بِالإكْرامِ، ومِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها مُشْعِرًا بِالإكْرامِ، أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَرِجْلِ أُمِّي، أوْ كَيَدِ أُمِّي، أوْ كَبَطْنِ أُمِّي، ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: الجَدِيدُ: أنَّ الظِّهارَ يَثْبُتُ، والقَدِيمُ: أنَّهُ لا يَثْبُتُ، أمّا الأعْضاءُ الَّتِي يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها سَبَبًا لِلْإكْرامِ، فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، أوْ رُوحِ أُمِّي، فَإنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ أرادَ الكَرامَةَ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، فَإنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وإنْ أطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. هَذا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ،