< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كَقَوْلِهِ:﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾[البروج: ١٦]، وأمّا الثّانِي فَتَقْدِيرُهُ:هُمُ المُقَرَّبُونَ في الجَنّاتِ مِنَ اللَّهِ كَما يُقالُ: هو المُخْتارُ عِنْدَ المَلِكِ في هَذِهِ البَلْدَةِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فائِدَتُهُ بَيانُ تَنْعِيمِ جِسْمِهِمْ، وكَرامَةِ نَفْسِهِمْ فَهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَهم في غايَةِ اللَّذَّةِ وفي جَنّاتٍ، فَجِسْمُهم في غايَةِ النَّعِيمِ، بِخِلافِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ، فَإنَّهم يَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ لَكِنْ لا يَكُونُ لِجِسْمِهِمْ راحَةٌ، بَلْ يَكُونُونَ في تَعَبٍ مِنَ الوُقُوفِ وقَضاءِ الأشْغالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَنّاتٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي فائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ عَنِ المَلائِكَةِ، فَإنَّ المُقَرَّبِينَ في يَوْمِنا هَذا في السَّماواتِ هُمُ المَلائِكَةُ، والسّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ المُقَرَّبُونَ في غَيْرِها هُمُ المَلائِكَةُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قُرْبَ المَلائِكَةِ قُرْبُ الخَواصِّ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِينَ هم لِلْأشْغالِ، فَهم لَيْسُوا في نَعِيمٍ، وإنْ كانُوا في لَذَّةٍ عَظِيمَةٍ ولا يَزالُونَ مُشْفِقِينَ قائِمِينَ بِبابِ اللَّهِ يَرِدُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ ولا يَرْتَفِعُ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، والسّابِقُونَ لَهم قُرْبٌ عِنْدِ اللَّهِ، كَما يَكُونُ لِجُلَساءِ المُلُوكِ، فَهم لا يَكُونُ بِيَدِهِمْ شُغْلٌ ولا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرٌ، فَيَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ، ويَتَنَعَّمُونَ بِالرّاحَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ والثُّلَّةُ

صفحة ١٣٠

الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ عَدَدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بَلْ إلى آخِرِ الزَّمانِ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَضى في غايَةِ القِلَّةِ، فَماذا كانَ عَلَيْهِمْ مِن إنْعامِ اللَّهِ عَلى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الأوَّلِينَ، وما هَذا إلّا خُلْفٌ غَيْرُ جائِزٍ.

وثانِيها: أنَّ هَذا كالنَّسْخِ في الأخْبارِ وأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ.

ثالِثُها: ما ورَدَ بَعْدَها لا يَرْفَعُ هَذا؛ لِأنَّ الثُّلَّةَ مِنَ الأوَّلِينَ هُنا في السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثُرُوا ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَعَفا عَنْهم أُمُورًا لَمْ تُعْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ لِلنَّبِي ﷺ الشَّفاعَةَ فَكَثُرَ عَدَدُ النّاجِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وأمّا مَن لَمْ يَأْثَمْ ولَمْ يَرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم في غايَةِ القِلَّةِ وهُمُ السّابِقُونَ.

ورابِعُها: هَذا تَوَهُّمٌ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ دَخَلَ فِيهِمُ الأوَّلُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا جَعَلَ قَلِيلًا مِن أُمَّتِهِ مَعَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ الَّذِينَ كانُوا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا في حَقِّهِمْ ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ». الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ