< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ:﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا