< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اليَمِينِ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أتْرابًا“ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿أنْشَأْناهُنَّ﴾ وهَذا لا يَجُوزُ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”أنْشَأْناهُنَّ“ يَكُونُ مَعْناهُ أنْشَأْناهُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ والإنْشاءُ حالَ كَوْنِهِنَّ أبْكارًا وأتْرابًا فَلا يَتَعَلَّقُ الإنْشاءُ بِالأبْكارِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَوْنُهُنَّ أبْكارًا بِالإنْشاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُؤَثِّرُ في الحالِ تَأْثِيرًا واجِبًا، فَنَقُولُ: صَرْفُهُ لِلْإنْشاءِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْشاءَ كانَ بِفِعْلٍ فَيَكُونُ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ إنْشائِهِنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ لِيَكُونَ تَرْتِيبُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَهُنَّ أبْكارًا، وأمّا إنْ كانَ الإنْشاءُ أوَّلًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ لِلْأزْواجِ ما كانَ يَقْتَضِي جَعْلَهُنَّ أبْكارًا فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .

وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ لَكِنَّ هُنا لَطِيفَةً: وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في السّابِقِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قَبْلَ ذِكْرِ السُّرُرِ والفاكِهَةِ والحُورِ، وذَكَرَ في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ، نَقُولُ: السّابِقُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الحُورِ العِينِ والمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ونِعَمُ الجَنَّةِ تَتَشَرَّفُ بِهِمْ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَلْتَفِتُونَ إلَيْها فَقَدَّمَ ذِكْرَها عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا لَكم وأمّا السّابِقُونَ فَذَكَرَهم أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَكانَهم، فَكَأنَّهُ قالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ وارِدُونَ عَلَيْكم. والَّذِي يُتَمِّمُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُقَدِّمْ ثُلَّةَ السّابِقِينَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ حِسًّا فَقالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾﴿فِي جَنّاتِ﴾[الواقعة: ١٢] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ؛ لِكَوْنِها فَوْقَ الدُّنْيا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى مِنَ اللَّهِ فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾[الشورى: ٢٣] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾[الصافات: ٤٣] فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لِتَمْيِيزِ مُقَرَّبِي المُؤْمِنِينَ مِن مُقَرَّبِي المَلائِكَةِ، فَإنَّهم مُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ وهم مُقَرَّبُونَ في أماكِنِهِمْ لِقَضاءِ الأشْغالِ الَّتِي لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وقَدْ بانَ مِن هَذا أنَّ المُرادَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ الَّذِينَ أذْنَبُوا وأسْرَفُوا وعَفا اللَّهُ عَنْهم بِسَبَبِ أدْنى حَسَنَةٍ لا الَّذِينَ غَلَبَتْ حَسَناتُهم وكَثُرَتْ، وسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾[الواقعة: ٩١] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ السَّمُومِ والحَمِيمِ وتَرْكِ ذِكْرِ النّارِ وأهْوالِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ بِالأدْنى إلى الأعْلى فَقالَ: هَواؤُهُمُ الَّذِي يَهُبُّ عَلَيْهِمْ سَمُومٌ، وماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِهِ حَمِيمٌ، مَعَ أنَّ الهَواءَ والماءَ أبْرَدُ الأشْياءِ، وهُما أيِ السُّمُومُ والحَمِيمُ مِن أضَرِّ الأشْياءِ بِخِلافِ الهَواءِ والماءِ في الدُّنْيا فَإنَّهُما مِن أنْفَعِ

صفحة ١٤٧

الأشْياءِ فَما ظَنُّكَ بِنارِهِمُ الَّتِي هي عِنْدَنا أيْضًا أحَرُّ، ولَوْ قالَ: هم في نارٍ، كُنّا نَظُنُّ أنَّ نارَهم كَنارِنا لِأنّا ما رَأيْنا شَيْئًا أحَرَّ مِنَ الَّتِي رَأيْناها، ولا أحَرَّ مِنَ السَّمُومِ، ولا أبْرَدَ مِنَ الزُّلالِ، فَقالَ: أبْرَدُ الأشْياءِ لَهم أحَرُّها فَكَيْفَ حالُهم مَعَ أحَرِّها، فَإنْ قِيلَ: ما السَّمُومُ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ هي رِيحٌ حارَّةٌ تَهُبُّ فَتُمْرِضُ أوْ تَقْتُلُ غالِبًا، والأوْلى أنْ يُقالَ: هي هَواءٌ مُتَعَفِّنٌ يَتَحَرَّكُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ فَإذا اسْتَنْشَقَ الإنْسانُ مِنهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ بِسَبَبِ العُفُونَةِ ويُقْتَلُ الإنْسانُ، وأصْلُهُ مِنَ السُّمِّ كَسُمِّ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ وغَيْرِهِما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا السُّمُّ مِنَ السَّمِّ، وهو خُرْمُ الإبْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾[الأعراف: ٤٠]؛ لِأنَّ سُمَّ الأفْعى يَنْفُذُ في المَسامِّ فَيُفْسِدُها، وقِيلَ: إنَّ السَّمُومَ مُخْتَصَّةٌ بِما يَهُبُّ لَيْلًا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿سَمُومٍ﴾إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ ما هم