< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سَماعِ صُراخِهِ: ذُقْ إنَّكَ مُجْرِمٌ مُسْتَأْهِلٌ، ويَعْلَمُ المَلِكُ أنَّ المُعَذَّبَ لا يَسْمَعُ كَلامَهُ ويُخاطِبُ بِكَلامِهِ المُسْتَغِيثَ الصّارِخَ. وهَذا كَثِيرٌ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى يُسْمَعُ إذا عَذَّبَ مُعانِدًا كانَ قَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَقُولُ:﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾[الدخان: ٤٩]﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾[السجدة: ١٤]﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ ولا يَكُونُ بِهِ مُخاطِبًا لِمَن يَسْمَعُ ويُجِيبُ، وذَلِكَ إظْهارُ العَدْلِ أيْ لَسْتُ بِغافِلٍ عَنْ تَعْذِيبِكَ فَتَتَخَلَّصَ بِالصُّراخِ والضَّراعَةِ، وإنَّما أنا بِكَ عالِمٌ وأنْتَ لَهُ أهْلٌ لِما قَدْ صَدَرَ مِنكَ، فَإنْ قِيلَ: هَذا وقَعَ بِغَيْرِ الفاءِ، وأمّا بِالفاءِ فَلا تَقُولُ، وبِالفاءِ فَإنَّهُ رُبَّما يَقُولُ: كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ فَذُوقُوا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النُّذُرُ كَيْفَ يُذاقُ ؟ نَقُولُ: مَعْناهُ ذُقْ فِعْلَكَ أيْ: مُجازاةَ فِعْلِكَ ومُوجَبَهُ ويُقالُ: ذُقِ الألَمَ عَلى فِعْلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ كَقَوْلِهِمْ: ذُقِ الألَمَ، وقَوْلُهُ: (ونُذُرِ) كَقَوْلِهِمْ ذُقْ فِعْلَكَ أيْ ذُقْ ما لَزِمَ مِن إنْذارِي، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا لا يَصِحُّ العَطْفُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ وما لَزِمَ مِن إنْذارِي وهو العَذابُ يَكُونُ كَقَوْلِ القائِلِ: ذُوقُوا عَذابِي وعَذابِي ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ أيِ: العاجِلَ مِنهُ، وما لَزِمَ مِن إنْذارِي وهو العَذابُ الآجِلُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ كانَ بِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُوقُوا عَذابِي العاجِلَ وعَذابِي الآجِلَ، فَإنْ قِيلَ: هُما لَمْ يَكُونا في زَمانٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ يُقالُ: ذُوقُوا، نَقُولُ: العَذابُ الآجِلُ أوَّلُهُ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ العَذابِ العاجِلِ، فَهُما كالواقِعِ في زَمانٍ واحِدٍ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾[نوح: ٢٥] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيِ: العَذابُ الَّذِي عَمَّ القَوْمَ بَعْدَ الخاصِّ الَّذِي طَمَسَ أعْيُنَ البَعْضِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الصُّبْحِ، فَما مَعْنى: ”بُكْرَةً“ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ تَبْيِينُ انْطِراقِهِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: (بُكْرَةً) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها ظَرْفٌ، ومِثْلُهُ نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[الإسراء: ١] وفِيهِ بَحْثٌ، وهو أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: (لِيلًا) وقالَ: جَوابًا في التَّنْكِيرِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ، وتَمَسَّكَ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”مِنَ اللَّيْلِ“ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، والأظْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ: بِأنَّ الوَقْتَ المُبْهَمَ يُذْكَرُ لِبَيانِ أنَّ تَعْيِينَ الوَقْتِ لَيْسَ بِمَقْصُودِ المُتَكَلِّمِ وأنَّهُ لا يُرِيدُ بَيانَهُ، كَما يَقُولُ:

صفحة ٥٦

خَرَجْنا في بَعْضِ الأوْقاتِ، مَعَ أنَّ الخُرُوجَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بَيانَ الوَقْتِ، ولَوْ قالَ: خَرَجْنا، فَرُبَّما يَقُولُ السّامِعُ: مَتى خَرَجْتُمْ، فَإذا قالَ: في بَعْضِ الأوْقاتِ أشارَ إلى أنَّ غَرَضَهُ بَيانُ الخُرُوجِ لا تَعْيِينُ وقْتِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ أيْ: بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ و﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ أيْ لَيْلًا مِنَ اللَّيالِي فَلا أُبَيِّنُهُ، فَإنَّ المَقْصُودَ نَفْسُ الإسْراءِ، ولَوْ قالَ: أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لَكانَ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: أيُّما لَيْلَةٍ ؟ فَإذا قالَ: لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيالِي قَطَعَ سُؤالَهُ وصارَ كَأنَّهُ قالَ: لا أُبَيِّنُهُ، وإنْ كانَ القائِلُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الجَهْلُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: لا أعْلَمُ الوَقْتَ، فَهَذا أقْرَبُ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا في أسْرى لَيْلًا، فاعْلَمْ مِثْلَهُ في: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: عَلى هَذا الوَجْهِ: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ بِمَعْنى قالَ لَهم: عِمُوا صَباحًا اسْتِهْزاءً بِهِمْ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾[آل عمران: ٢١] فَكَأنَّهُ قالَ: جاءَهُمُ العَذابُ بُكْرَةً كالمُصَبِّحِ، والأوَّلُ أصَحُّ، ويُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ عَلى قَوْلِنا: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ ما لا يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ