< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah052
At-Tur (52)
The Mount, makkah, 49 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَنْفَعُ ذَلِكَ بَلِ الوُصُولُ إلى السَّقْفِ المَرْفُوعِ ودُخُولِ البَيْتِ المَعْمُورِ لا يَدْفَعُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما النّاصِبُ لِـ (يَوْمَ) ؟ نَقُولُ المَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ هو الفِعْلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ واقِعٌ أيْ يَقَعُ العَذابُ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ والَّذِي أظُنُّهُ أنَّهُ هو الفِعْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ العَذابَ الواقِعَ عَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنَّ العَذابَ الَّذِي بِهِ التَّخْوِيفُ هو الَّذِي بَعْدَ الحَشْرِ، ومَوْرُ السَّماءِ قَبْلَ الحَشْرِ، وأمّا إذا قُلْنا مَعْناهُ (لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يَوْمَ تَمُورُ)، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾[ غافِرٍ: ٨٥] كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ما لَهُ مِن دافِعٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو ما إذا صارَتِ السَّماءُ تَمُورُ في أعْيُنِكم والجِبالُ تَسِيرُ، وتَتَحَقَّقُونَ أنَّ الأمْرَ لا يَنْفَعُ شَيْئًا ولا يَدْفَعُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَوْرُ السَّماءِ ؟ نَقُولُ خُرُوجُها عَنْ مَكانِها تَتَرَدَّدُ وتَمُوجُ، والَّذِي تَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ قَدْ عَلِمْتَ ضَعْفَهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم وافَقُوا عَلى أنَّ خُرُوجَ الجَبَلِ العَظِيمِ مِن مَكانِهِ جائِزٌ، وكَيْفَ لا وهم يَقُولُونَ بِأنَّ زَلْزَلَةَ الأرْضِ مَعَ ما فِيها مِنَ الجِبالِ بِبُخارٍ يَجْتَمِعُ تَحْتَ الأرْضِ فَيُحَرِّكُها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: السَّماءُ قابِلَةٌ لِلْحَرَكَةِ بِإخْراجِها خارِجَةً عَنِ السَّمْتِيّاتِ، والجَبَلُ ساكِنٌ يَقْتَضِي طَبْعُهُ السُّكُونَ، وإذا قَبِلَ جِسْمٌ الحَرَكَةَ مَعَ أنَّها عَلى خِلافِ طَبْعِهِ، فَلَأنْ يَقْبَلَها جِرْمٌ آخَرُ مَعَ أنَّها عَلى مُوافَقَتِهِ أوْلى، وقَوْلُهُمُ القابِلُ لِلْحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ لا يَقْبَلُ الحَرَكَةَ المُسْتَقِيمَةَ في غايَةِ الضَّعْفِ، وقَوْلُهُ ﴿مَوْرًا﴾ يُفِيدُ فائِدَةً جَلِيلَةً وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ مَوْرِ السَّماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجِبالَ إذا سارَتْ وسَيَّرَتْ مَعَها سُكّانَها يَظْهَرُ أنَّ السَّماءَ كالسَّيّارَةِ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ كَما يُشاهِدُهُ راكِبُ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ يَرى الجَبَلَ السّاكِنَ مُتَحَرِّكًا، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ السَّماءُ تَمُورُ في رَأْيِ العَيْنِ
صفحة ٢٠٩
بِسَبَبِ سَيْرِ الجِبالِ كَما يَرى القَمَرَ سائِرًا راكِبُ السَّفِينَةِ، والسَّماءُ إذا مارَتْ كَذَلِكَ فَلا يَبْقى مَهْرَبٌ ولا مَفْزَعٌ لا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما السَّبَبُ في مَوْرِها وسَيْرِها ؟ قُلْنا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الحِكْمَةُ فالإيذانُ والإعْلامُ بِأنْ لا عَوْدَ إلى الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ والجِبالَ والسَّماءَ والنُّجُومَ كُلَّها لِعِمارَةِ الدُّنْيا والِانْتِفاعِ لِبَنِي آدَمَ بِها، فَإنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهم عَوْدٌ لَمْ يَبْقَ فِيها نَفْعٌ فَأعْدَمَها اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ كُنْتَ وعَدْتَ بِبَحْثٍ في الزَّمانِ يَسْتَفِيدُ العاقِلُ مِنهُ فَوائِدَ في اللَّفْظِ والمَعْنى وهَذا مَوْضِعُهُ، فَإنَّ الفِعْلَ لا يُضافُ إلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ الزَّمانِ، فَيُقالُ يَوْمَ يَخْرُجُ فُلانٌ وحِينَ يَدْخُلُ فُلانٌ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾[ المائِدَةِ: ١١٩] وقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ﴾ وقالَ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٣٦] وكَذَلِكَ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟
فَنَقُولُ الزَّمانُ ظَرْفُ الأفْعالِ كَما أنَّ المَكانَ ظَرْفُ الأعْيانِ، وكَما أنَّ جَوْهَرًا مِنَ الجَواهِرِ لا يُوجَدُ إلّا في مَكانٍ، فَكَذَلِكَ عَرَضٌ مِنَ الأعْراضِ لا يَتَجَدَّدُ إلّا في زَمانٍ، وفِيهِما تَحَيُّرُ خَلْقٍ عَظِيمٍ، فَقالُوا إنْ كانَ المَكانُ جَوْهَرًا فَلَهُ مَكانٌ آخَرُ ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ، وإنْ كانَ عَرَضًا فالعَرَضُ لا بُدَّ لَهُ مِن جَوْهَرٍ، والجَوْهَرُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَكانٍ فَيَدُورُ الأمْرُ أوْ يَتَسَلْسَلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوْهَرًا ولا عَرَضًا، فالجَوْهَرُ يَكُونُ حاصِلًا فِيما لا وُجُودَ