< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah051
Adh-Dhaariyat (51)
The Winnowing Winds, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قَدْ بالَغَ كَذَلِكَ مَن قالَ: كَلامٌ صادِقٌ وبُرْهانٌ قاهِرٌ لِلْخَصْمِ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بالَغَ، والوَجْهُ فِيهِ هو أنَّهُ إذا قالَ هو لُطْفٌ بَدَلَ قَوْلِهِ لِطَيْفٍ فَكَأنَّهُ قالَ اللَّطِيفُ شَيْءٌ لَهُ لُطْفٌ فَفي اللَّطِيفِ لُطْفٌ وشَيْءٌ آخَرُ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ كَثْرَةَ اللُّطْفِ فَجَعَلَهُ كُلَّهُ لُطْفًا، وفي الثّانِي لَمّا كانَ الصِّدْقُ يَقُومُ بِالمُتَكَلِّمِ بِسَبَبِ كَلامِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ لا يَحُوجُ إلى شَيْءٍ آخَرَ حَتّى يَصِحَّ إطْلاقُ الصّادِقِ عَلَيْهِ، بَلْ هو كافٍ في إطْلاقِ الصّادِقِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا قَوِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿تُوعَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وعَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أوْعَدَ، والثّانِي هو الحَقُّ لِأنَّ اليَمِينَ مَعَ المُنْكَرِ بِوَعِيدٍ لا بِوَعْدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أيِ الجَزاءُ كائِنٌ، وعَلى هَذا فالإيعادُ بِالحَشْرِ في المَوْعِدِ هو الحِسابُ والجَزاءُ هو العِقابُ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أنَّ الحِسابَ يُسْتَوْفى والعِقابَ يُوَفّى.
ثُمَّ قالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ مَباحِثُ:
صفحة ١٧٠
الأوَّلُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ قِيلَ: الطَّرائِقُ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَرائِقَ الكَواكِبِ ومَمَرّاتِها كَما يُقالُ في المَحابِكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما في السَّماءِ مِنَ الأشْكالِ بِسَبَبِ النُّجُومِ، فَإنَّ في سَمْتِ كَواكِبَها طَرِيقَ التِّنِّينِ والعَقْرَبِ والنَّسْرِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ أصْحابُ الصُّوَرِ ومِنطَقَةَ الجَوْزاءِ وغَيْرَ ذَلِكَ كالطَّرائِقِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِهِ السَّماءُ المُزَيَّنَةُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾[البروج: ١] وقِيلَ: حُبُكُها صِفاقُها، يُقالُ في الثَّوْبِ الصَّفِيقِ حَسَنُ الحُبُكِ، وعَلى هَذا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾[الطارق: ١١] لِشِدَّتِها وقُوَّتِها وهَذا ما قِيلَ فِيهِ.البَحْثُ الثّانِي: في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّها مُحْكَمَةٌ.
الأوَّلُ: إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، تارَةً يَقُولُونَ إنَّهُ أمِينٌ وأُخْرى إنَّهُ كاذِبٌ، وتارَةً تَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ، وتارَةً تَقُولُونَ إنَّهُ كاهِنٌ وشاعِرٌ وساحِرٌ، وهَذا مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ إذْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ عَلى هَذا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إنْكارٍ حَتّى يُؤَكِّدَ بِيَمِينٍ.
الثّانِي: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أيْ: غَيْرِ ثابِتِينَ عَلى أمْرٍ، ومَن لا يَثْبُتُ عَلى قَوْلٍ لا يَكُونُ مُتَيَقِّنًا في اعْتِقادِهِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى، والسَّماءِ إنَّكم غَيْرُ جازِمِينَ في اعْتِقادِكم وإنَّما تُظْهِرُونَ الجَزْمَ لِشِدَّةِ عِنادِكم، وعَلى هَذا القَوْلِ فِيهِ فائِدَةٌ وهي أنَّهم لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّكَ غَيْرُ صادِقٍ في قَوْلِكَ، وإنَّما تُجادِلُ ونَحْنُ نَعْجِزُ عَنِ الجَدَلِ قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: إنَّكَ صادِقٌ ولَسْتَ مُعانِدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: بَلْ أنْتُمْ واللَّهِ جازِمُونَ بِأنِّي صادِقٌ فَعَكَسَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، أيْ مُتَناقِضٍ، أمّا في الحَشْرِ فَلِأنَّكم تَقُولُونَ لا حَشْرَ ولا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ تَقُولُونَ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، فَإذا كانَ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ ولا شُعُورَ لِلْمَيِّتِ، فَماذا يُصِيبُ آباءَكم إذا خالَفْتُمُوهم ؟ وإنَّما يَصِحُّ هَذا مِمَّنْ يَقُولُونَ بِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ عَذابًا فَلَوْ عَلِمْنا شَيْئًا يَكْرَهُهُ المَيِّتُ يُبْدى فَلا مَعْنى لِقَوْلِكم إنّا لا نَنْسُبُ آباءَنا بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الضَّلالِ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَرْبِطُونَ الرَّكائِبَ عَلى قُبُورِ الأكابِرِ، وأمّا في التَّوْحِيدِ فَتَقُولُونَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ ثُمَّ تَقُولُونَ هو إلَهُ الآلِهَةِ وتَرْجِعُونَ إلى الشِّرْكِ، وأمّا في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُونَ إنَّهُ مَجْنُونٌ ثُمَّ تَقُولُونَ لَهُ إنَّكَ تَغْلِبُنا بِقُوَّةِ جَدَلِكَ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ المُنْتَظِمِ المُعْجِزِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَناقِضَةِ.
ثُمَّ