< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وإنْ كانَ حاضِرًا لَكِنْ لِكَوْنِ المُنْذَرِ بِهِ لَمّا كانَ غَيْرَ حاضِرٍ قالُوا فِيهِ ذَلِكَ، والرَّجْعُ مَصْدَرُ رَجَعَ يَرْجِعُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا، والرُّجُوعُ مَصْدَرُهُ إذا كانَ لازِمًا، وكَذَلِكَ الرُّجْعى مَصْدَرٌ عِنْدَ لُزُومِهِ، والرَّجْعُ أيْضًا يَصِحُّ مَصْدَرًا لِلّازِمِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ:﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ رُجُوعٌ بَعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّجْعَ المُتَعَدِّيَ، ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾[العلق: ٨] وعَلى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ﴾[النازعات: ١٠] أيْ مُرْجَعُونَ، فَإنَّهُ مِنَ الرَّجْعِ المُتَعَدِّي، فَإنْ قُلْنا: هو مِنَ المُتَعَدِّي، فَقَدْ أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَقْدُورًا في نَفْسِهِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ .

إشارَةً إلى دَلِيلِ جَوازِ البَعْثِ وقُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ أجْزاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَوْتى لا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ جُزْءُ أحَدٍ عَلى الآخَرِ، وقادِرٌ عَلى الجَمْعِ والتَّأْلِيفِ، فَلَيْسَ الرُّجُوعُ مِنهُ بِبَعِيدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾[يس: ٨١] حَيْثُ جَعَلَ لِلْعِلْمِ مَدْخَلًا في الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي لا تَخْفى عَلَيْنا أجَزاؤُهم بِسَبَبِ تَشَتُّتِها في تُخُومِ الأرْضِينَ، وهَذا جَوابٌ لِما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾[السجدة: ١٠] يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى كَما يَعْلَمُ أجَزاءَهم يَعْلَمُ مِن ظُلْمِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ بِما كانُوا يَقُولُونَ، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ هو أنَّهُ عالِمٌ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إجْمالِيٌّ وتَفْصِيلِيٌّ، فالإجْمالِيُّ كَما يَكُونُ عِنْدَ

صفحة ١٣٢

الإنْسانِ الَّذِي يَحْفَظُ كِتابًا ويَفْهَمُهُ، ويَعْلَمُ أنَّهُ إذا سُئِلَ عَنْ أيَّةِ مَسْألَةٍ تَكُونُ في الكِتابِ يَحْضُرُ عِنْدَهُ الجَوابُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ في حالَةٍ بابًا بابًا، أوْ فَصْلًا فَصْلًا، ولَكِنْ عِنْدَ العَرْضِ عَلى الذِّهْنِ لا يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ فِكْرٍ وتَحْدِيدِ نَظَرٍ، والتَّفْصِيلِيُّ مِثْلُ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنِ الأشْياءِ، والكِتابِ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ تِلْكَ المَسائِلَ، وهَذا لا يُوجَدُ عِنْدَ الإنْسانِ إلّا في مَسْألَةٍ ومَسْألَتَيْنِ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى كِتابٍ فَلا يُقالُ: ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ يَعْنِي: العِلْمُ عِنْدِي كَما يَكُونُ في الكِتابِ أعْلَمُ جُزْءًا جُزْءًا وشَيْئًا شَيْئًا، والحَفِيظُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَحْفُوظِ، أيْ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحافِظِ، أيْ حافِظٌ أجَزاءَهم وأعْمالَهم بِحَيْثُ لا يَنْسى شَيْئًا مِنها، والثّانِي هو الأصَحُّ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الحَفِيظَ بِمَعْنى الحافِظِ وارِدٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾[الشورى: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ولِأنَّ الكِتابَ عَلى ما ذَكَرْنا لِلتَّمْثِيلِ فَهو يَحْفَظُ الأشْياءَ، وهو مُسْتَغْنٍ عَنْ أنْ يُحْفَظَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: ما المَضْرُوبُ عَنْهُ ؟

نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ لَمْ يَكْذِبِ المُنْذِرُ، بَلْ كَذَّبُوا هم، وتَقْدِيرُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَنْهم إنَّهم قالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ كانَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ المُنْذِرَ كاذِبٌ، فَقالَ تَعالى: لَمْ يَكْذِبِ المُنْذِرُ، بَلْ هم كَذَّبُوا، فَإنْ قِيلَ: ما الحَقُّ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: البُرْهانُ القائِمُ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

الثّانِي: الفُرْقانُ المُنَزَّلُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ بُرْهانٌ.

الثّالِثُ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزَةِ القاهِرَةِ فَإنَّها حَقٌّ. الرّابِعُ: الحَشْرُ الَّذِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ فَهو حَقٌّ، فَإنْ قِيلَ: بَيِّنْ لَنا مَعْنى الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالحَقِّ) وأيَّةُ حاجَةٍ إلَيْها، يَعْنِي أنَّ التَّكْذِيبَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، فَهَلْ هي لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ أوْ هي زائِدَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: