< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ، أوْ خارِجًا عَنْها وهو الفاسِقُ، والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمُ السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهم، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ: أحَدُها:
يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ.
وثانِيها: بِجانِبِ الرَّسُولِ.
وثالِثُها: بِجانِبِ الفُسّاقِ.
ورابِعُها: بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ.
وخامِسُها: بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) وأرْشَدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وذِكْرُ الرَّسُولِ كانَ لِبَيانِ طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ ثانِيًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ ثالِثًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَ الفِتْنَةِ بَيْنَكم وبَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾[الحجرات: ٩]، وقالَ رابِعًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾[الحجرات: ١١] وقالَ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾[الحجرات: ١١] لِبَيانِ وُجُوبِ تَرْكِ إيذاءِ المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ والِازْدِراءِ بِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ، وقالَ خامِسًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾[الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾[الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ إهانَةِ جانِبِ المُؤْمِنِ حالَ غَيْبَتِهِ، وذِكْرِ ما لَوْ كانَ حاضِرًا لَتَأذّى، وهو في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّرْتِيبِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِنَ قَبْلَ الفاسِقِ لِتَكُونَ المَراتِبُ مُتَدَرِّجَةَ الِابْتِداءِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، ثُمَّ بِالفاسِقِ ؟ نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ ما هو الأهَمُّ عَلى ما دُونَهُ، فَذَكَرَ جانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ جانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفْضِي إلى الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الإصْغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ ما كانَ أشَدَّ نِفارًا لِلصُّدُورِ، وأمّا المُؤْمِنُ الحاضِرُ أوِ الغائِبُ، فَلا يُؤْذِي المُؤْمِنَ إلى حَدٍّ يُفْضِي إلى القَتْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الفاسِقِ آيَةَ الِاقْتِتالِ، فَقالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وهو أخُو عُثْمانَ لِأُمِّهِ
صفحة ١٠٣
إلى بَنِي المُصْطَلِقِ ولِيًّا ومُصَدِّقًا فالتَقَوْهُ، فَظَنَّهم مُقاتِلِينَ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: إنَّهُمُ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا، فَهَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالإيقاعِ بِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وهَذا جَيِّدٌ إنْ قالُوا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّها نَزَلَتْ لِذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ومُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِهِ فَلا، بَلْ نَقُولُ: هو نَزَلَ عامًّا لِبَيانِ التَّثْبِيتِ، وتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ لِكَذا، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنِّي أنْزَلْتُها لِكَذا، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الآيَةَ ورَدَتْ لِبَيانِ ذَلِكَ فَحَسْبُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو مِثْلُ التّارِيخِ لِنُزُولِ الآيَةِ، ونَحْنُ نُصَدِّقُ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا، وكَيْفَ والفاسِقُ في أكْثَرِ المَواضِعِ المُرادُ بِهِ مَن خَرَجَ عَنْ رِبْقَةِ الإيمانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾[المنافقون: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾[الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ