< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِها في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً لَكِنَّ النَّسَبَ أعْلاها؛ لِأنَّ المالَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ فَيَبْطُلُ افْتِخارُ المُفْتِخِرِ بِهِ، والحُسْنُ والسِّنُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ دائِمٍ، والنَّسَبُ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّحْصِيلِ لِمَن لَيْسَ لَهُ، فاخْتارَهُ اللَّهُ لِلذِّكْرِ وأبْطَلَ اعْتِبارَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّقْوى لِيُعْلَمَ مِنهُ بُطْلانُ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

البَحْثُ الثّالِثُ: إذا كانَ وُرُودُ الآيَةِ لِبَيانِ عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ بِغَيْرِ التَّقْوى فَهَلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ بِأمْرٍ فِيهِ يَلْحَقُهُ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأمْرٍ هو قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ كالحُسْنِ والقُوَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ المَطْلُوبَةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، والَّذِي قَبْلَهُ فَإمّا راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي مِنهُ وُجِدَ، أوْ إلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَهُ أوْجَدَ، كَما يُقالُ في إناءَيْنِ: هَذا مِنَ النُّحاسِ وهَذا مِنَ الفِضَّةِ، ويُقالُ: هَذا عَمَلُ فُلانٍ، وهَذا عَمَلُ فُلانٍ، فَقالَ تَعالى: لا تَرْجِيحَ فِيما خَلَقْتُمْ مِنهُ؛ لِأنَّكم كُلُّكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولا بِالنَّظَرِ إلى جاعِلِينَ؛ لِأنَّكم كُلُّكم خَلَقَكُمُ اللَّهُ، فَإنْ كانَ بَيْنَكم تَفاوُتٌ يَكُونُ بِأُمُورٍ تَلْحَقُكم وتَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِكم، وأشْرَفُها التَّقْوى والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ مُتَفَرِّقَةً لا يُدْرى مَن يَجْمَعُكم كالعَجَمِ، وقَبائِلَ يَجْمَعُكم واحِدٌ مَعْلُومٌ كالعَرَبِ وبَنِي إسْرائِيلَ.

وثانِيهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ داخِلِينَ في قَبائِلَ، فَإنَّ القَبِيلَةَ تَحْتَها الشُّعُوبُ، وتَحْتَ الشُّعُوبِ البُطُونُ، وتَحْتَ البُطُونِ الأفْخاذُ، وتَحْتَ الأفْخاذِ الفَصائِلُ، وتَحْتَ الفَصائِلِ الأقارِبُ، وذَكَرَ الأعَمَّ لِأنَّهُ أذْهَبُ لِلِافْتِخارِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الأعَمَّ مِنها يَدْخُلُهُ فُقَراءُ وأغْنِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وضُعَفاءُ وأقْوِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَعْدُودَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ ذَلِكَ وهي التَّعارُفُ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ التَّناصُرُ لا التَّفاخُرُ.

وثانِيهُما: أنَّ فائِدَتَهُ التَّعارُفُ لا التَّناكُرُ، واللَّمْزُ والسُّخْرِيَةُ والغِيبَةُ تُفْضِي إلى التَّناكُرِ لا إلى التَّعارُفِ، وفِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ. الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾، وقالَ: (وجَعَلْناكم) لِأنَّ الخَلْقَ أصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ الجَعْلُ شُعُوبًا فَإنَّ الأوَّلَ هو الخَلْقُ والإيجادُ، ثُمَّ الِاتِّصافُ بِما اتَّصَفُوا بِهِ، لَكِنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا لِلتَّعارُفِ، والخَلْقَ لِلْعِبادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات: ٥٦] واعْتِبارُ الأصْلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى اعْتِبارِ الفَرْعِ، فاعْلَمْ أنَّ النَّسَبَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اعْتِبارِ العِبادَةِ كَما أنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا يَتَحَقَّقُ بَعْدَما يَتَحَقَّقُ الخَلْقُ، فَإنْ كانَ فِيكم عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيكم أنْسابُكم وإلّا فَلا. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (خَلَقْناكم) (وجَعَلْناكم) إشارَةٌ إلى عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِسَعْيِكم ولا قُدْرَةَ لَكم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَفْتَخِرُونَ بِما لا مَدْخَلَ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: الهِدايَةُ والضَّلالُ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾[الإنسان: ٣]﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾[الشورى: ٥٢] فَنَقُولُ: أثْبَتَ اللَّهُ لَنا فِيهِ كَسْبًا

صفحة ١١٩

مَبْنِيًّا عَلى فِعْلٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[المزمل: ١٩] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾[الإنسان: ٣٠] وأمّا في النَّسَبِ فَلا. الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾إشارَةٌ إلى قِياسٍ خَفِيٍّ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّكم جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لَتَعارَفُوا، وأنْتُمْ إذا كُنْتُمْ أقْرَبَ إلى شَرِيفٍ تَفْتَخِرُونَ بِهِ فَخَلَقَكم لِتَعْرِفُوا رَبَّكم، فَإذا كُنْتُمْ أقْرَبَ مِنهُ وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ كانَ الأحَقُّ بِالِافْتِخارِ هُناكَ مِنَ الكُلِّ الِافْتِخارَ بِذَلِكَ. الرّابِعَةُ: فِيهِ إرْشادٌ إلى بُرْهانٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِافْتِخارَ لَيْسَ بِالأنْسابِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَبائِلَ لِلتَّعارُفِ بِسَبَبِ الِانْتِسابِ إلى شَخْصٍ، فَإنْ كانَ