< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في قَوْلِهِ:﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾ أيْ قَرَّبَهُ وأدْخَلَهُ في قُلُوبِكم، ثُمَّ زَيَّنَهُ فِيها بِحَيْثُ لا تُفارِقُونَهُ ولا يَخْرُجُ مِن قُلُوبِكم، وهَذا لِأنَّ مَن يُحِبُّ أشْياءَ فَقَدْ يَمَلُّ شَيْئًا مِنها إذا حَصَلَ عِنْدَهُ وطالَ لَبْثُهُ، والإيمانُ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُ حُسْنًا، ولَكِنْ مَن كانَتْ عِبادَتُهُ أكْثَرَ وتَحَمُّلُهُ لِمَشاقِّ التَّكْلِيفِ أتَمَّ، تَكُونُ العِبادَةُ والتَّكالِيفُ عِنْدَهُ ألَذَّ وأكْمَلَ؛ ولِهَذا قالَ في الأوَّلِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾ وقالَ ثانِيًا: ﴿وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ أقامَهُ في قُلُوبِهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الكُفْرُ والفُسُوقُ والعِصْيانُ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ في مُقابَلَةِ الإيمانِ الكامِلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ الكامِلَ المُزَيَّنَ هو أنْ يَجْمَعَ التَّصْدِيقَ بِالجَنانِ والإقْرارَ بِاللِّسانِ والعَمَلَ بِالأرْكانِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ وهو التَّكْذِيبُ في مُقابَلَةِ التَّصْدِيقِ بِالجَنانِ، والفُسُوقُ هو الكَذِبُ.
وثانِيها: هو ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ سَمّى مَن كَذَبَ فاسِقًا، فَيَكُونُ الكَذِبُ فُسُوقًا.
ثالِثُها: ما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾[الحجرات: ١١] فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُسُوقَ أمْرٌ قَوْلِيٌّ لِاقْتِرانِهِ بِالِاسْمِ، وسَنُبَيِّنُ تَفْسِيرَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ورابِعُها: وجْهٌ مَعْقُولٌ وهو أنَّ الفُسُوقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ عَلى ما عُلِمَ في قَوْلِ القائِلِ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ، وغَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفُسُوقَ هو الخُرُوجُ، زِيدَ في الِاسْتِعْمالِ كَوْنُهُ الخُرُوجَ عَنِ الطّاعَةِ، لَكِنَّ الخُرُوجَ لا يَكُونُ لَهُ ظُهُورٌ بِالأمْرِ القَلْبِيِّ، إذْ لا اطِّلاعَ عَلى ما في القُلُوبِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ولا يَظْهَرُ بِالأفْعالِ لِأنَّ الأمْرَ قَدْ يُتْرَكُ إمّا لِنِسْيانٍ أوْ سَهْوٍ، فَلا يُعْلَمُ حالُ التّارِكِ والمُرْتَكِبِ أنَّهُ مُخْطِئٌ أوْ مُتَعَمِّدٌ، وأمّا الكَلامُ فَإنَّهُ حُصُولُ العِلْمِ بِما عَلَيْهِ حالُ المُتَكَلِّمِ، فالدُّخُولُ في الإيمانِ والخُرُوجُ مِنهُ يَظْهَرُ بِالكَلامِ، فَتَخْصِيصُ الفُسُوقِ بِالأمْرِ القَوْلِي أقْرَبُ، وأمّا العِصْيانُ فَتَرْكُ الأمْرِ وهو بِالفِعْلِ ألْيَقُ، فَإذا عُلِمَ هَذا فَفِيهِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ، وهو الأمْرُ الأعْظَمُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان: ١٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والفُسُوقَ﴾ يَعْنِي ما يُظْهِرُ لِسانُكم أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿والعِصْيانَ﴾ وهو دُونَ الكُلِّ، ولَمْ يَتْرُكْ عَلَيْكُمُ الأمْرَ الأدْنى وهو العِصْيانُ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: الكُفْرُ ظاهِرٌ والفُسُوقُ هو الكَبِيرَةُ، والعِصْيانُ هو الصَّغِيرَةُ، وما ذَكَرْناهُ أقْوى.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ .صفحة ١٠٨
خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى في أوَّلِ الأمْرِ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ هو مُرْشِدٌ لَكم، فَخِطابُ المُؤْمِنِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شَفَقَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ في الأوَّلِ: كَفى النَّبِيُّ مُرْشِدًا لَكم ما تَسْتَرْشِدُونَهُ، فَأشْفَقَ عَلَيْهِمْ وأرْشَدَهم، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿الرّاشِدُونَ﴾ أيِ المُوافِقُونَ لِلرُّشْدِ يَأْخُذُونَ ما يَأْتِيهِمْ ويَنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَصَبَ فَضْلًا لِأجْلِ أُمُورٍ، إمّا لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العامِلَ فِيهِ هو الفِعْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الرّاشِدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَضْلُ اللَّهِ الَّذِي هو فِعْلُ اللَّهِ مَفْعُولًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّشْدِ الَّذِي هو فِعْلُ العَبْدِ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَ الرُّشْدُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كانَ كَأنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أرْشَدَهم فَضْلًا، أيْ يَكُونُ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ مُنْعِمًا في حَقِّهِمْ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ العامِلَ فِيهِ هو قَوْلُهُ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ