< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَعالى:﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ .
ولْنَذْكُرْ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما قِيلَ وما يَجُوزُ أنْ يُقالَ، أمّا ما قِيلَ فَلْنَخْتَرْ أحْسَنَهُ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنَّهُ بَحَثَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بَحْثًا طَوِيلًا، فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ لَيْسَ كَلامًا مُسْتَأْنِفًا لِأدائِهِ إلى تَنافُرِ النَّظْمِ، إذْ لا تَبْقى مُناسِبَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ثُمَّ وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ في تَقْدِيرِ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ: (فِيكم) كانَ التَّقْدِيرُ: كائِنٌ فِيكم، أوْ مَوْجُودٌ فِيكم، عَلى حالٍ تُرِيدُونَ أنْ يُطِيعَكم أوْ يَفْعَلَ بِاسْتِصْوابِكم، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ أوْ لَوَقَعْتُمْ في شِدَّةٍ، أوْ أُولِمْتُمْ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ خِطابًا مَعَ بَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اكْتَفى بِالتَّغايُرِ في الصِّفَةِ واخْتَصَرَ، ولَمْ يَقُلْ حَبَّبَ إلى بَعْضِكُمُ الإيمانَ، وقالَ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ دُونَ أطاعَكم يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ اسْتِمْرارَ تِلْكَ الحالَةِ، ودَوامَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى العَمَلِ بِاسْتِصْوابِهِمْ، ولَكِنْ يَكُونُ ما بَعْدَها عَلى خِلافِ ما قَبْلَها، وهَهُنا كَذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَحْصُلُ المُخالَفَةُ بِتَصْرِيحِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ المُخاطَبِينَ في الوَصْفِ يَدُلُّنا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْمَلُ بِمُرادِهِمْ، والمُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ هُمُ الَّذِينَ أرادُوا عَمَلَهم بِمُرادِ النَّبِيِّ ﷺ هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واخْتارَهُ وهو حَسَنٌ، والَّذِي يَجُوزُ أنْ يُقالَ - وكَأنَّهُ هو الأقْوى -: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ فَتَثَبَّتُوا واكْشِفُوا قالَ بَعْدَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيِ الكَشْفُ سَهْلٌ عَلَيْكم بِالرُّجُوعِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ فِيكم مُبِينٌ مُرْشِدٌ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اخْتِلافِ تَلامِيذِ شَيْخٍ في مَسْألَةٍ: هَذا الشَّيْخُ قاعِدٌ لا يُرِيدُ بَيانَ قُعُودِهِ، وإنَّما يُرِيدُ أمْرَهم بِالمُراجَعَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ لا يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْخَ فِيما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِصفحة ١٠٦
لَوْ كانَ يَعْتَمِدُ عَلى قَوْلِ التَّلامِيذِ لا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ، أمّا إذا كانَ لا يَذْكُرُ إلّا مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ويُقَرِّرُهُ بِالدَّلِيلِ القَوِيِّ يُراجِعُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: اسْتَرْشِدُوهُ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ ولا يُطِيعُ أحَدًا، فَلا يُوجَدُ فِيهِ حَيْفٌ ولا يُرَوَّجُ عَلَيْهِ زَيْفٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ بَيانُ أنَّهُ لا يُطِيعُكم هو أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ تَرِدُ لِبَيانِ امْتِناعِ الشَّرْطِ لِامْتِناعِ الجَزاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾[الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾[النساء: ٨٢] فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ يَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾وهو أنْ يَقَعَ لِواحِدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى المُراجَعَةِ وعُقُولُنا كافِيَةٌ، بِها أدْرَكْنا الإيمانَ وتَرَكْنا العِصْيانَ، فَكَذَلِكَ نَجْتَهِدُ في أُمُورِنا، فَقالَ: لَيْسَ إدْراكُ الإيمانِ بِالِاجْتِهادِ، بَلِ اللَّهُ بَيَّنَ البُرْهانَ