< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah048
Al-Fath (48)
The Victory, madinah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الأنْبِياءِ بِالسَّهْوِ والعَمْدِ، وهو يَصُونُهم عَنِ العَجَبِ.
رابِعُها: المُرادُ العِصْمَةُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في سُورَةِ القِتالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ
أحَدُها: أنَّهُ وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
ثانِيها: ما تَقَدَّمَ عَلى الفَتْحِ، وما تَأخَّرَ عَنِ الفَتْحِ.
ثالِثُها: العُمُومُ يُقالُ: اضْرِبْ مَن لَقِيتَ ومَن لا تَلْقاهُ، مَعَ أنَّ مَن لا يَلْقى لا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إشارَةً إلى العُمُومِ.
رابِعُها: مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ ومِن بَعْدِها، وعَلى هَذا فَما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالعَفْوِ وما بَعْدَها بِالعِصْمَةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ساقِطَةٌ، مِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ مارِيَةَ، وما تَأخَّرَ مِن أمْرِ زَيْنَبَ، وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأسْقَطُها لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو أنَّ التَّكالِيفَ عِنْدَ الفَتْحِ تَمَّتْ حَيْثُ وجَبَ الحَجُّ، وهو آخِرُ التَّكالِيفِ، والتَّكالِيفُ نِعَمٌ.
ثانِيها: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإخْلاءِ الأرْضِ لَكَ عَنْ مُعانِدِيكَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدُوٌّ ذُو اعْتِبارٍ، فَإنَّ بَعْضَهم كانُوا أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ والباقُونَ آمَنُوا واسْتَأْمَنُوا يَوْمَ الفَتْحِ.
ثالِثُها: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيا بِاسْتِجابَةِ دُعائِكَ في طَلَبِ الفَتْحِ، وفي الآخِرَةِ بِقَوْلِ شَفاعَتِكَ في الذُّنُوبِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ القُبْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: (أظْهَرُها): يُدِيمُكَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ حَتّى لا يَبْقى مَن يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ مِنَ المُضِلِّينَ، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾[المائِدَةِ: ٣] حَيْثُ أهْلَكْتُ المُجادِلِينَ فِيهِ، وحَمَلْتُهم عَلى الإيمانِ.
وثانِيها: أنْ يُقالَ: جَعَلَ الفَتْحَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ سَهَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ الجِهادَ لِعِلْمِهِمْ بِالفَوائِدِ العاجِلَةِ بِالفَتْحِ والآجِلَةِ بِالوَعْدِ، والجِهادُ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مُجاهِدٌ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ، أيْ لِيُعْرَفَ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، مِن حَيْثُ إنَّ الفَتْحَ لا يَكُونُ إلّا عَلى يَدِ مَن يَكُونُ عَلى صِراطِ اللَّهِ بِدَلِيلِ حِكايَةِ الفِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ظاهِرٌ، لِأنَّ بِالفَتْحِ ظَهَرَ النَّصْرُ واشْتَهَرَ الأمْرُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:
صفحة ٦٩
أمّا المَسْألَةُ اللَّفْظِيَّةُ: فَهي أنَّ اللَّهَ وصَفَ النَّصْرَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا، والعَزِيزُ مَن لَهُ النَّصْرُ: (والجَوابُ): مِن وجْهَيْنِ:أحَدُهُما: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: نُصِرَ إذْ عَزَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾[الحاقَّةِ: ٢١] أيْ ذاتُ رِضًى.
الثّانِي: وصْفُ النَّصْرِ بِما يُوصَفُ بِهِ المَنصُورُ إسْنادًا مَجازِيًّا، يُقالُ: لَهُ كَلامٌ صادِقٌ، كَما يُقالُ لَهُ: صادِقٌ.
الثّالِثُ: وصْفُ النَّصْرِ عَزِيزًا صاحِبُهُ. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّما يَلْزَمُنا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّقْدِيراتِ إذا قُلْنا: العِزَّةُ مِنَ الغَلَبَةِ، والعَزِيزُ الغالِبُ، وأمّا إذا قُلْنا: العَزِيزُ هو النَّفِيسُ القَلِيلُ النَّظِيرِ، أوِ المُحْتاجُ إلَيْهِ القَلِيلُ الوُجُودِ، يُقالُ: عَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ وُجُودُهُ مَعَ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فالنَّصْرُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ لَمْ يُوجَدْ وهو أخْذُ بَيْتِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ.
أمّا المَسْألَةُ المَعْنَوِيَّةُ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أبْرَزَ الفاعِلَ وهو اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمَّ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ في الكَلامِ، وهو أنَّ الأفْعالَ الكَثِيرَةَ إذا صَدَرَتْ مِن فاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ في الفِعْلِ الأوَّلِ، ولا يَظْهَرُ فِيما بَعْدَهُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وتَكَلَّمَ وقامَ وراحَ، ولا تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وقَعَدَ زَيْدٌ اخْتِصارًا لِلْكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ،