< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾[الأحْزابِ: ١] وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ لِأنَّ الآيَةَ لِبَيانِ تَبايُنِ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا يُحَقِّقُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ المُنافِقَ كانَ يَخْشى النّاسَ وهُمُ الفَرِيقانِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، فَكانَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُما ويُرْضِي الفَرِيقَيْنِ ويُسْخِطُ اللَّهَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: المُؤْمِنُ المُهْتَدِي بِخِلافِ المُنافِقِ حَيْثُ عَلِمَ ذَلِكَ واتَّقى اللَّهَ لا غَيْرُ، واتَّقى ذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ.

: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ .

يَعْنِي: الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ لا يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ البَراهِينَ قَدْ صَحَّتْ والأُمُورَ قَدِ اتَّضَحَتْ وهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وهو مِن قَبِيلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى تَقْدِيرِ لا يَنْظُرُونَ

صفحة ٥٣

إلّا السّاعَةَ إتْيانُها بَغْتَةً، وقُرِئَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ عَلى الشَّرْطِ، وجَزاؤُهُ لا يَنْفَعُهم ذِكْراهم، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القِيامَةَ سُمِّيَتْ بِالسّاعَةِ لِساعَةِ الأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ والحِسابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: لِبَيانِ غايَةِ عِنادِهِمْ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ الدَّلائِلَ لَمّا ظَهَرَتْ ولَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَبْقَ إلّا إيمانُ اليَأْسِ وهو عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ لَكِنَّ أشْراطَها بانَتْ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا فَهم في لُجَّةِ الفَسادِ وغايَةِ العِنادِ. ثانِيهِما: يَكُونُ لِتَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فُهِمَ مِنهُ تَعْذِيبُهم، والسّاعَةُ عِنْدَ العَوامِّ مُسْتَبْطَأةٌ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾[القَمَرِ: ١] والأشْراطُ العَلاماتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هي مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْنى الأشْراطِ البَيِّناتُ المُوَضِّحَةُ لِجَوازِ الحَشْرِ، مِثْلُ خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾[يس: ٨١] والأوَّلُ هو التَّفْسِيرُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ يَعْنِي لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى إذْ لا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ ولا يُحْسَبُ الإيمانُ، والمُرادُ فَكَيْفَ لَهُمُ الحالُ إذا جاءَتْهم ذِكْراهم، ومَعْنى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾[الأنْبِياءِ: ١٠٣]: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾[الصّافّاتِ: ٢١] فَيُذَكَّرُونَ بِهِ لِلتَّحَسُّرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾[الزُّمَرِ: ٧١] .

: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ ولِبَيانِ المُناسَبَةِ وُجُوهٌ

الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ يَأْتِي بِالسّاعَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾[النَّجْمِ: ٥٧] .

وثانِيها: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ وهي آتِيَةٌ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى هَذا ؟ فَقالَ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ فَلا تَشْتَغِلْ بِهِ واشْتَغِلْ بِما عَلَيْكَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وكُنْ في أيِّ وقْتٍ مُسْتَعِدًّا لِلِقائِها ويُناسِبُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ .

الثّالِثُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ يَنْفَعُكَ، فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَما مَعْنى الأمْرِ، نَقُولُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ كَقَوْلِ القائِلِ لِجالِسٍ يُرِيدُ القِيامَ: اجْلِسْ أيْ لا تَقُمْ.

ثانِيهِما: الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ قَوْمُهُ والضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلشَّأْنِ، وتَقْدِيرُ هَذا: هو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا القَوْمَ إلى الإيمانِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَبْقَ