< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah047
Muhammad (47)
Muhammad, madinah, 38 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلى غَيْرِ الإيمانِ مِنَ الحَسَناتِ والإيمانَ يَتَرَجَّحُ عَلى غَيْرِ الكُفْرِ مِنَ السَّيِّئاتِ.
وثانِيها: أبْطَلَها لِفَقْدِ شَرْطِ ثُبُوتِها وإثْباتِها وهو الإيمانُ لِأنَّهُ شَرْطُ قَبُولِ العَمَلِ قالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾[النَّحْلِ: ٩٧] وإذا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ العَمَلَ لا يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ لِأنَّ العَمَلَ لا بَقاءَ لَهُ في نَفْسِهِ بَلْ هو يُعْدَمُ عَقِيبَ ما يُوجَدُ في الحَقِيقَةِ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَكْتُبُ عِنْدَهُ بِفَضْلِهِ أنَّ فُلانًا عَمِلَ صالِحًا وعِنْدِي جَزاؤُهُ فَيَبْقى حُكْمًا، وهَذا البَقاءُ حُكْمًا خَيْرٌ مِنَ البَقاءِ الَّذِي لِلْأجْسامِ الَّتِي هي مَحَلُّ الأعْمالِ حَقِيقَةً، فَإنَّ الأجْسامَ وإنْ بَقِيَتْ غَيْرَ أنَّ مَآلَها إلى الفَناءِ، والعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ الباقِياتِ عِنْدَ اللَّهِ أبَدًا، وإذا ثَبَتَ هَذا تَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ بِالقَبُولِ مُتَفَضِّلٌ، وقَدْ أخْبَرَ: أنِّي لا أقْبَلُ إلّا مِن مُؤْمِنٍ فَمَن عَمِلَ وتَعِبَ مِن غَيْرِ سَبْقِ الإيمانِ فَهو المُضَيِّعُ تَعَبَهُ لا اللَّهُ تَعالى.
وثالِثُها: لَمْ يَعْمَلِ الكافِرُ عَمَلَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ فَلا يَرُدُّ عَلَيْنا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] وبَيانُهُ هو أنَّ العَمَلَ لا يَتَمَيَّزُ إلّا بِمَن لَهُ العَمَلُ لا بِالعامِلِ ولا بِنَفْسِ العَمَلِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن قامَ لِيَقْتُلَ شَخْصًا ولَمْ يَتَّفِقْ قَتْلُهُ، ثُمَّ قامَ لِيُكْرِمَهُ ولَمْ يَتَّفِقِ الإكْرامُ ولا القَتْلُ، وأخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ قامَ في اليَوْمِ الفُلانِيِّ لِقَتْلِهِ وفي اليَوْمِ الآخَرِ لِإكْرامِهِ يَتَمَيَّزُ القِيامانِ لا بِالنَّظَرِ إلى القِيامِ فَإنَّهُ واحِدٌ ولا بِالنَّظَرِ إلى القائِمِ فَإنَّهُ حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بِما كانَ لِأجْلِهِ القِيامُ، وكَذَلِكَ مَن قامَ وقَصَدَ بِقِيامِهِ إكْرامَ المَلِكِ وقامَ وقَصَدَ بِقِيامِهِ إكْرامَ بَعْضِ العَوامِّ يَتَمَيَّزُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بِمَنزِلَةِ العَمَلِ لَكِنَّ نِسْبَةَ اللَّهِ الكَرِيمِ إلى الأصْنامِ فَوْقَ نِسْبَةِ المُلُوكِ إلى العَوامِّ فالعَمَلُ لِلْأصْنامِ لَيْسَ بِخَيْرٍ ثُمَّ إنِ اتَّفَقَ أنْ يَقْصِدَ واحِدٌ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُ الأوْثانَ لا يَكُونُ عَمَلُهُ خَيْرًا، لِأنَّ مِثْلَ ما أتى بِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ أتى بِهِ لِلصَّنَمِ المَنحُوتِ فَلا تَعْظِيمَ.
الوَجْهُ الثّانِي: الإضْلالُ هو جَعْلُهُ مُسْتَهْلِكًا وحَقِيقَتُهُ هو أنَّهُ إذا كَفَرَ وأتى لِلْأحْجارِ والأخْشابِ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ فَلَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ حُرْمَةً وفِعْلُهُ لا يَبْقى مُعْتَبَرًا بِسَبَبِ كُفْرِهِ، وهَذا كَمَن يَخْدِمُ عِنْدَ الحارِسِ والسّايِسِ إذا قامَ. فالسُّلْطانُ لا يُعْمِلُ قِيامَهُ تَعْظِيمًا لِخِسَّتِهِ كَذَلِكَ الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَبِقَدْرِ ما يَتَكَبَّرُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ يَظْهَرُ تَعْظِيمُهُ لِلَّهِ، كالمَلِكِ الَّذِي لا يَنْقادُ لِأحَدٍ إذا انْقادَ في وقْتٍ لِمَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ يَتَبَيَّنُ بِهِ عَظَمَتُهُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: (أضَلَّهُ) أيْ أهْمَلَهُ وتَرَكَهُ،
صفحة ٣٤
كَما يُقالُ: أضَلَّ بَعِيرَهُ إذا تَرَكَهُ مُسَيَّبًا فَضاعَ.ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ الكُفّارِ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ.
فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كُلَّما ذَكَرَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، رَتَّبَ عَلَيْهِما المَغْفِرَةَ والأجْرَ كَما قالَ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[الحَجِّ: ٥٠] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٧٠] وقُلْنا بِأنَّ المَغْفِرَةَ ثَوابُ الإيمانِ والأجْرَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ واسْتَوْفَيْنا البَحْثَ فِيهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَنَقُولُ هَهُنا جَزاءُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾[مُحَمَّدٍ: ٢] إشارَةٌ إلى ما يُثِيبُ عَلى الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُثِيبُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ مُرَتَّبٌ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَمَن آمَنَ ولَمْ