< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ لَفْظَةَ﴿مِن﴾ ولَفْظَةَ ﴿هُمْ﴾ كَيْفَ يَلِيقُ بِها ؟ وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى وعُزَيْرٍ والأصْنامِ إلّا أنَّهُ غَلَّبَ غَيْرَ الأوْثانِ عَلى الأوْثانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الأضْدادِ والأنْدادِ تَكَلَّمَ في النُّبُوَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كُلَّما عَرَضَ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ زَعَمُوا أنَّهُ سِحْرٌ فَقالَ: وإذا تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّنَةُ وعُرِضَتْ عَلَيْهِمُ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ سَمَّوْها بِالسِّحْرِ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم يُسَمُّونَ المُعْجِزَةَ بِالسِّحْرِ بَيَّنَ أنَّهم مَتى سَمِعُوا القُرْآنَ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ومَعْنى الهَمْزَةِ في (أمْ) لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ هَذا واسْمَعِ القَوْلَ المُنْكَرَ العَجِيبَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بُطْلانَ شُبْهَتِهِمْ فَقالَ: إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعاجِلُنِي بِعُقُوبَةِ بُطْلانِ ذَلِكَ الِافْتِراءِ، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ عَنْ مُعاجَلَتِي بِالعُقُوبَةِ، فَكَيْفَ أُقْدِمُ عَلى
صفحة ٧
هَذِهِ الفِرْيَةِ وأُعَرِّضُ نَفْسِي لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صَمَّمَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾[المائدة: ١٧]، ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾[المائدة: ٤١]، ومِن قَوْلِهِ ﷺ: «لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى والطَّعْنِ في آياتِهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وفِرْيَةً أُخْرى.﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ، ومَعْنى ذِكْرِ العِلْمِ والشَّهادَةِ وعِيدٌ لَهم عَلى إقامَتِهِمْ في الطَّعْنِ والشَّتْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بِمَن رَجَعَ عَنِ الكُفْرِ وتابَ واسْتَعانَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعَ عِظَمِ ما ارْتَكَبُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم [ شَكُّوا ] في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، بِأنْ قالُوا: إنَّهُ يَخْتَلِقُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَنْسُبُهُ إلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الفِرْيَةِ، حَكى عَنْهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ الشُّبُهاتِ، وهو أنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ مِنهُ مُعْجِزاتٍ عَجِيبَةً قاهِرَةً، ويُطالِبُونَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم عَنِ المُغَيَّباتِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، والبِدْعُ والبَدِيعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ، والبِدْعَةُ ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَهُ بِحُكْمِ السُّنَّةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أيْ ما كُنْتُ أوَّلَهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُنْكِرُوا إخْبارِي بِأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، ولا تُنْكِرُوا دُعائِي لَكم إلى التَّوْحِيدِ، ونَهْيِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإنَّ كُلَّ الرُّسُلِ إنَّما بُعِثُوا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ مُعْجِزاتٍ عَظِيمَةً وإخْبارًا عَنِ الغُيُوبِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾والمَعْنى أنَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ والإخْبارَ عَنْ هَذِهِ الغُيُوبِ لَيْسَ في وُسْعِ