< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَدْعُوَهم إلى اللَّهِ تَعالى ويَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَصَرَفَ اللَّهُ إلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ لِيَسْتَمِعُوا مِنهُ القُرْآنَ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم.
ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْناهُ فُرُوعٌ:
الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ القاضِي في تَفْسِيرِهِ الجِنَّ أنَّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا يَهُودًا؛ لِأنَّ في الجِنِّ مِلَلًا كَما في الإنْسِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأصْنامِ، وأطْبَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ، سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ لِلْجِنِّ ثَوابٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها.
الفَرْعُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّفَرُ دُونَ العَشْرَةِ ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ، ثُمَّ رَوى
صفحة ٢٨
مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ كانُوا تِسْعَةً أحَدُهم زَوْبَعَةُ، وعَنْ قَتادَةَ ذَكَرَ لَنا أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ مِن ساوَةَ.الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ والرِّواياتُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ ومَشْهُورَةٌ.
الفَرْعُ الرّابِعُ: رَوى القاضِي في تَفْسِيرِهِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: ”كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِبالِ مَكَّةَ إذْ أقْبَلُ شَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلى عُكّازَةٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِشْيَةُ جِنِّيٍّ ونَغْمَتُهُ، فَقالَ: أجَلْ، فَقالَ: مَن أيِّ الجِنِّ أنْتَ؟ فَقالَ: أنا هامَةُ بْنُ هَيْمَ بْنِ لاقِيسَ بْنِ إبْلِيسَ، فَقالَ: لا أرى بَيْنَكَ وبَيْنَ إبْلِيسَ إلّا أبَوَيْنِ فَكَمْ أتى عَلَيْكَ؟ فَقالَ: أكَلْتُ عُمْرَ الدُّنْيا إلّا أقَلَّها، وكُنْتُ وقْتَ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أمْشِي بَيْنَ الآكامِ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِمّا مَرَّ بِهِ، وذَكَرَ في جُمْلَتِهِ أنْ قالَ: قالَ لِي عِيسى بْنُ مَرْيَمَ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأقْرِئُهُ مِنِّي السَّلامَ، وقَدْ بَلَّغْتُ سَلامَهُ وآمَنتُ بِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: وعَلى عِيسى السَّلامُ، وعَلَيْكَ يا هامَةُ ما حاجَتُكَ؟ فَقالَ: إنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَنِي التَّوْراةَ، وعِيسى عَلَّمَنِي الإنْجِيلَ، فَعَلِّمْنِي القُرْآنَ، فَعَلَّمَهُ عَشْرَ سُوَرٍ، وقُبِضَ ﷺ ولَمْ يَنْعَهُ» “ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ولا أراهُ إلّا حَيًّا، واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في قِصَّةِ الجِنِّ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الجِنِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: لَمّا لَمْ يَقْصِدُ الرَّسُولُ ﷺ قِراءَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، فَهو تَعالى ألْقى في قُلُوبِهِمْ مَيْلًا وداعِيَةً إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ: (قالُوا) أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أنْصِتُوا﴾ أيْ: اسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، يُقالُ: أنْصَتَ لِكَذا واسْتَنْصَتَ لَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ القِراءَةِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يُنْذِرُونَهم، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، لِأنَّهم لا يَدْعُونَ غَيْرَهم إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ والتَّصْدِيقِ بِهِ إلّا وقَدْ آمَنُوا، فَعِنْدَهُ: ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ووَصَفُوهُ بِوَصْفَيْنِ:الأوَّلُ: كَوْنُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الأنْبِياءِ، والمَعْنى أنَّ كُتُبَ سائِرِ الأنْبِياءِ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والأمْرِ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ فَكَذَلِكَ هَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ المَعانِي.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّ هَذا الكِتابَ يُماثِلُ سائِرَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في الدَّعْوَةِ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ، والوَصْفُ الثّانِي يُفِيدُ أنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الَّتِي اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَيْها مَطالِبُ حَقَّةٍ صِدْقٍ في أنْفُسِها، يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ بِصَرِيحِ عَقْلِهِ كَوْنَها كَذَلِكَ، سَواءٌ ورَدَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِها