< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سُبْحانَهُ يُفْنِيهِ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَيَقَعُ الجَزاءُ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الأجَلِ المُسَمّى هو الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لِإفْناءِ الدُّنْيا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ والمُرادُ: أنَّ مَعَ نَصْبِ اللَّهِ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ، ومَعَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ومَعَ مُواظَبَةِ الرُّسُلِ عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والإعْذارِ والإنْذارِ، بَقِيَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مُعْرِضِينَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى أنَّ الإعْراضَ عَنِ الدَّلِيلِ مَذْمُومٌ في الدِّينِ والدُّنْيا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذا الأصْلَ الدّالَّ عَلى إثْباتِ الإلَهِ، وعَلى إثْباتِ كَوْنِهِ عادِلًا رَحِيمًا، وعَلى إثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ بَنى عَلَيْهِ التَّفارِيعَ.

فالفَرْعُ الأوَّلُ: الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصْنامُ، ﴿أرُونِي﴾ أيْ أخْبِرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ هَلْ يُعْقَلُ أنْ يُضافَ إلَيْها خَلْقُ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا العالَمِ ؟ فَإنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها أعانَتْ إلَهَ العالَمِ في خَلْقِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا العالَمِ ؟ ولَمّا كانَ صَرِيحُ العَقْلِ حاكِمًا بِأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ خَلْقِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا

صفحة ٥

العالَمِ إلَيْها، وإنْ كانَ ذَلِكَ الجُزْءُ أقَلَّ الأجْزاءِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا إسْنادُ الإعانَةِ إلَيْها في أقَلِّ الأفْعالِ وأذَلِّها، فَحِينَئِذٍ صَحَّ أنَّ الخالِقَ الحَقِيقِيَّ لِهَذا العالَمِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّ المُنْعِمَ الحَقِيقِيَّ بِجَمِيعِ أقْسامِ النِّعَمِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.

والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِأكْمَلِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ أكْمَلُ وُجُوهِ الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ الخالِقُ الحَقُّ والمُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ إلّا لَهُ ولِأجْلِهِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنّا لا نَعْبُدُها لِأنَّها تَسْتَحِقُّ هَذِهِ العِبادَةَ، بَلْ إنَّما نَعْبُدُها لِأجْلِ أنَّ الإلَهَ الخالِقَ المُنْعِمَ أمَرَنا بِعِبادَتِها، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ وُرُودَ هَذا الأمْرِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، فَنَقُولُ: هَذا الوَحْيُ الدّالُّ عَلى الأمْرِ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى مُحَمَّدٍ أوْ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّلَةِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَكِنَّهُ مِن تَقابُلِ العُلُومِ المَنقُولَةِ عَنْهم، والكُلُّ باطِلٌ، أمّا إثْباتُ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو مَعْلُومُ البُطْلانِ، وأمّا إثْباتُهُ بِسَبَبِ اشْتِمالِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ فَهو أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّهُ عُلِمَ بِالتَّواتُرِ الضَّرُورِيِّ إطْباقُ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ .

وأمّا إثْباتُ ذَلِكَ بِالعُلُومِ المَنقُولَةِ عَنِ الأنْبِياءِ سِوى ما جاءَ في الكُتُبِ فَهَذا أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ ما دَعا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ ثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَمَلٌ باطِلٌ وقَوْلٌ فاسِدٌ.

وبَقِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ نَوْعانِ مِنَ البَحْثِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: البَحْثُ اللُّغَوِيُّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ﴿أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ بَقِيَّةٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿أثارَةٍ﴾ ما يُؤْثَرُ مِن عِلْمٍ أيْ بَقِيَّةٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿أثارَةٍ﴾ تُؤْثَرُ ﴿مِن عِلْمٍ﴾كَقَوْلِكَ: هَذا الحَدِيثُ يُؤْثَرُ عَنْ فُلانٍ، ومِن هَذا المَعْنى سُمِّيَتِ الأخْبارُ بِالآثارِ،