< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah044
Ad-Dukhaan (44)
The Smoke, makkah, 59 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ لِأنَّ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، ولِأنَّ الِانْتِقامَ التّامَّ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى:﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾[غافر: ١٧]، ولِأنَّ هَذِهِ البَطْشَةَ لَمّا وُصِفَتْ بِكَوْنِها كُبْرى عَلى الإطْلاقِ وجَبَ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ البَطْشِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا في القِيامَةِ، ولَفْظُ الِانْتِقامِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهاتِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، والمَعْنى مَعْلُومٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ .
صفحة ٢١٠
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أيْضًا كانُوا كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفَةِ في أكْثَرِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ قُرِئَ: (ولَقَدْ فَتَّنّا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّأْكِيدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَلَيْنا، وقالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْنا، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وهو مُوسى، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الكَرِيمِ هَهُنا فَقالَ الكَلْبِيُّ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، يَعْنِي أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلى رَبِّهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الإكْرامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ قَوْمِهِ لِأنَّهُ قَلَّ ما بُعِثَ رَسُولٌ إلّا مِن أشْرافِ قَوْمِهِ وكِرامِهِمْ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، وفي (أنْ) قَوْلانِ:الأوَّلُ: أنَّها أنِ المُفَسِّرَةُ وذَلِكَ لِأنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ إلى مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ لا يَجِيئُهم إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا وداعِيًا إلى اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ومَعْناهُ: وجاءَهم بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا، وعِبادُ اللَّهِ مَفْعُولٌ بِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، يَقُولُ: أدُّوهم إلَيَّ وأرْسِلُوهم مَعِيَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾[طه: ٤٧]، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ نِداءً لَهم، والتَّقْدِيرُ: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما هو واجِبٌ عَلَيْكم مِنَ الإيمانِ، وقَبُولِ دَعْوَتِي، واتِّباعِ سَبِيلِي، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ﴿رَسُولٌ أمِينٌ﴾ قَدِ ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ أنْ هَذِهِ مِثْلُ الأُولى في وجْهَيْها، أيْ لا تَتَكَبَّرُوا عَلى اللَّهِ بِإهانَةِ وحْيِهِ ورَسُولِهِ، ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ يَعْتَرِفُ بِصِحَّتِها كُلُّ عاقِلٍ، ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنْ تَقْتُلُونِ، وقِيلَ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ بِالقَوْلِ فَتَقُولُوا: ساحِرٌ كَذّابٌ، ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي ولَمْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ لِأجْلِ ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ الحُجَّةِ، فاللّامُ في لِي لامُ الأجَلِ، ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ أخْلُوا سَبِيلِي لا لِي ولا عَلَيَّ.
قالَ مُصَنِّفُ الكُتّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ المُعْتَزِلَةَ يَتَصَلَّفُونَ ويَقُولُونَ: إنَّ لَفْظَ الِاعْتِزالِ أيْنَما جاءَ في القُرْآنِ كانَ المُرادُ مِنهُ الِاعْتِزالَ عَنِ الباطِلِ لا عَنِ الحَقِّ، فاتَّفَقَ حُضُورِي في بَعْضِ المَحافِلِ، وذَكَرَ بَعْضُهم هَذا الكَلامَ فَأوْرَدْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقُلْتُ: المُرادُ بِالِاعْتِزالِ في هَذِهِ الآيَةِ الِاعْتِزالُ عَنْ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وطَرِيقَتِهِ، وذَلِكَ لا