< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah042
Ash-Shura (42)
Consultation, makkah, 53 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ:﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾[العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ