< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah042
Ash-Shura (42)
Consultation, makkah, 53 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،«قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾[الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾[الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا