< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ .
ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ
صفحة ٨٦
والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾[الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾[فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾[الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ:الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ