< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدِّينا فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَشْيِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتُ الجُسْمانِيَّةُ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ، كَما قالَ ﷺ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ
صفحة ١٠٧
بِالشَّمْسِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾[يس: ٥٧] فَإنَّ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾[يونس: ١٠] .* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، قالَ العارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى النُّزُلِ، والكَرِيمُ إذْ أعْطى النُّزُلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَبْعَثَ الخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَها، وتِلْكَ الخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إلّا السَّعاداتِ الحاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والتَّجَلِّي والكَشْفِ التّامِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا لَها أهْلًا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾[فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾[فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ
صفحة ١٠٨
السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾[فصلت: ٣٠]إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي