< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.

وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾[البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.

والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِهَذا الوَعْدِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الكَمالاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ وأشْرَفُ المَراتِبِ النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، وذَكَرْنا أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: العِلْمُ اليَقِينِيُّ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةُ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَئِيسُها أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَقِيمًا في الوَسَطِ غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾[البقرة: ١٤٣] وقالَ أيْضًا: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وإلَيْهِ الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ .

وسَمِعْتُ أنَّ القارِئَ قَرَأ في مَجْلِسِ العَبّادِيِّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ العَبّادِيُّ: والقِيامَةُ في القِيامَةِ، بِقَدْرِ الِاسْتِقامَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القَوْلَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ الِاسْتِقامَةَ، فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ الِاسْتِقامَةَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ مَقْرُونًا بِاليَقِينِ التّامِّ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ عِباراتٌ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إلَهٍ غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في أنْواعٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرِ البَتَّةَ عَنْ دِينِهِ، فَكانَ هو الَّذِي قالَ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وبَقِيَ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.

وأقُولُ: يُمْكِنُ فِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ مَن أقَرَّ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا بَقِيَتْ لَهُ مَقاماتٌ أُخْرى، فَأوَّلُها: أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ، بَلْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَذا في الرَّجاءِ والقُنُوطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ