< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كانَ إيمانُهم بِوُجُودِ اللَّهِ مُوجِبًا لِلْمَدْحِ والثَّناءِ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ شَيْءٍ حاضِرٍ مُشاهَدٍ مُعايَنٍ لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، ألا تَرى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الشَّمْسِ وكَوْنِها مُضِيئَةً لا يُوجِبُ المَدْحَ والثَّناءَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، عُلِمَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ بِدَلِيلِ أنَّهم ما شاهَدُوهُ حاضِرًا جالِسًا هُناكَ، ورَحِمَ اللَّهُ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ فَلَوْ لَمْ يُحَصِّلْ في كِتابِهِ إلّا هَذِهِ النُّكْتَةَ لَكَفاهُ فَخْرًا وشَرَفًا.

النَّوْعُ الثّالِثُ مِمّا حَكى اللَّهُ عَنْ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ مَرْبُوطٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ مُقَدَّمًا عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ وقَوْلُهُ:

صفحة ٣٠

﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.

ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا فَرَغُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّقْدِيسِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ لَقَدَّمُوا الِاسْتِغْفارَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» “ وأيْضًا قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾[مُحَمَّدٍ: ١٩] فَأمَرَ مُحَمَّدًا أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الِاسْتِغْفارَ لِغَيْرِهِ، وحَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾[نُوحٍ: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِ، فالمَلائِكَةُ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَكانَ اشْتِغالُهم بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهم ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الشَّفاعَةِ في حُصُولِ زِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا في إسْقاطِ العِقابِ عَنِ المُذْنِبِينَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قالَ: ولَيْسَ المُرادُ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، سَواءٌ كانَ مُصِرًّا عَلى الفِسْقِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا سَبِيلَ رَبِّهِ، ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِيهِ، وأيْضًا إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالفاسِقِينَ؛ لِأنَّ خُصُومَنا لا يَقْطَعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُمُ الجَنَّةَ وإنَّما يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ لا تَتَناوَلُ إلّا أهْلَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَفاعَةُ الأنْبِياءِ كَذَلِكَ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والجَوابُ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ مِنَ المَلائِكَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنُبَيِّنُ هَذا ثُمَّ نُجِيبُ عَمّا ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ، أمّا بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما قُلْناهُ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَغْفِرَةُ لا تُذْكَرُ إلّا في إسْقاطِ العِقابِ. أمّا طَلَبُ النَّفْعِ الزّائِدِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى اسْتِغْفارًا.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ أهْلِ الإيمانِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ صاحِبَ