< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الأوْتادِ﴾﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾[ص: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ وعَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أنْ يَأْخُذُوا رَسُولَهم لِيَقْتُلُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويَحْبِسُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ هَؤُلاءِ جادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ؛ أيْ بِإيرادِ الشُّبُهاتِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ أنْ يُزِيلُوا بِسَبَبِ إيرادِ تِلْكَ الشُّبُهاتِ الحَقَّ والصِّدْقَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ فَأنْزَلْتُ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ ما هَمُّوا بِإنْزالِهِ بِالرُّسُلِ، وأرادُوا أنْ يَأْخُذُوهم فَأخَذْتُهم أنا، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي إيّاهم، ألَيْسَ كانَ مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا مَهِيبًا في الذِّكْرِ والسَّماعِ، فَأنا أفْعَلُ بِقَوْمِكَ كَما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجِدالِ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ ومِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ العِقابِ حَقَّتْ كَلِمَتِي أيْضًا عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِكَ، فَهم عَلى شَرَفِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ وإيصالِ الفِعْلِ.

واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَضاءَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لازِمٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَمَكَّنُوا مِنهُ لَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَقَّةِ، ولَتَمَكَّنُوا مِن إبْطالِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ الشَّيْءِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا مِن كُلِّ ما هو مِن لَوازِمِهِ، ولِأنَّهم لَوْ آمَنُوا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَحِينَئِذٍ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ عَلى الواحِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ يُبالِغُونَ في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ طَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ، والحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ يُبالِغُونَ في إظْهارِ المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الأراذِلُ يُبالِغُونَ في العَداوَةِ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تُقِمْ لَهم وزْنًا، فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَعَكَ، والحافُّونَ مِن حَوْلِ العَرْشِ مَعَكَ يَنْصُرُونَكَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَوْعَيْنِ مِن فِرَقِ المَلائِكَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ:

القِسْمُ الأوَّلُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وقَدْ حَكى تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ في هَذا الوَقْتِ هم أُولَئِكَ الثَّمانِيَةُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أشْرافُ المَلائِكَةِ وأكابِرُهم، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ: إسْرافِيلُ، زاوِيَةُ العَرْشِ عَلى