< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah040
Ghafir (40)
The Forgiver, makkah, 85 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قَبُولِ التَّوْحِيدِ ”جَبّارٍ“ في غَيْرِ حَقٍّ، وأقُولُ: كَمالُ السَّعادَةِ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ التَّكَبُّرُ كالمُضادِّ لِلتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والجَبَرُوتُ كالمُضادِّ لِلشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا بَيَّنَ أنَّهُ أبْلَغَ في البَلادَةِ والحَماقَةِ إلى أنْ قَصَدَ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ اللَّهَ في السَّماواتِ وقَرَّرُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ إنَّما يَذْكُرُهُ لِأجْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَّ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَهو أيْضًا يَذْكُرُهُ كَما سَمِعَهُ، فَلَوْلا أنَّهُ سَمِعَ مُوسى يَصِفُ اللَّهَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ وإلّا لَما طَلَبَهُ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ كاذِبٌ في ماذا، والمَذْكُورُ السّابِقُ مُتَعَيِّنٌ لِصَرْفِ الكَلامِ إلَيْهِ، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأطَّلِعَ إلى الإلَهِ الَّذِي يَزْعُمُ مُوسى أنَّهُ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ مُوسى هو أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: العِلْمُ بِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهٌ لَكانَ مَوْجُودًا في السَّماءِ، عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ مُتَقَرِّرٌ في كُلِّ العُقُولِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الصِّبْيانَ إذا تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ رَفَعُوا
صفحة ٥٧
وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى السَّماءِ، وإنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ نِهايَةِ كُفْرِهِ لَمّا طَلَبَ الإلَهَ فَقَدْ طَلَبَهُ في السَّماءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ في السَّماءِ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في عَقْلِ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُلْحِدِ والعالِمِ والجاهِلِ.فَهَذا جُمْلَةُ اسْتِدْلالاتِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ: أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ يَكْفِيهِمْ في كَمالِ الخِزْيِ والضَّلالِ أنْ جَعَلُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ حُجَّةً لَهم عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَزِدْ في تَعْرِيفِ إلَهِ العالَمِ عَلى ذِكْرِ صِفَةِ الخَلّاقِيَّةِ فَقالَ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾[طه: ٥٠] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾[الشُّعَراءِ: ٢٨] فَظَهَرَ أنَّ تَعْرِيفَ ذاتِ اللَّهِ بِكَوْنِهِ في السَّماءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وتَعْرِيفَهُ بِالخَلّاقِيَّةِ والمَوْجُودِيَّةِ دِينُ مُوسى، فَمَن قالَ بِالأوَّلِ كانَ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَن قالَ بِالثّانِي كانَ عَلى دِينِ مُوسى، ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ لَعَلَّهُ كانَ عَلى دِينِ المُشَبِّهَةِ فَكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاعْتِقادَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فَنَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾[الإسْراءِ: ١٠٢]ظَنَّ أنَّهُ عَنى بِهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ، كَما يُقالُ لِلْواحِدِ مِنّا: إنَّهُ رَبُّ الدّارِ بِمَعْنى كَوْنِهِ ساكِنًا فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَكى عَنْهُ، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بَلَغَ في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى حَيْثُ لا يَبْعُدُ نِسْبَةُ هَذا الخَيالِ إلَيْهِ، فَإنِ اسْتَبْعَدَ الخَصْمُ نِسْبَةَ هَذا