< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah040
Ghafir (40)
The Forgiver, makkah, 85 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الثَّلاثَةَ لِكَوْنِها دالَّةً عَلى أنَّ أفْعالَهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّنْزِيلُ حَقًّا وصَوابًا، وقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ المَصالِحَ والإعْجازَ، ولَوْلا كَوْنُهُ عَزِيزًا عَلِيمًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ وبِعُمُومِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وظُهُورِهِ إلى حِينِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِكَوْنِهِ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ وبِكَوْنِهِ عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما يَجْمَعُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ، فَقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَهَذِهِ سِتَّةُ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: مَعْناهُ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ إذا اسْتَحَقَّ غُفْرانَهُ إمّا بِتَوْبَةٍ أوْ طاعَةٍ أعْظَمَ مِنهُ، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّ فاعِلَ المَعْصِيَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتى قَبْلَ ذَلِكَ بِطاعَةٍ كانَ ثَوابُها أعْظَمَ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، أوْ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَيُحْبَطُ عِقابُها، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ كَبِيرَةً فَلا يَزُولُ عِقابُها إلّا بِالتَّوْبَةِ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلى العَبْدِ، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والصّالِحِينَ مِن أوْساطِ النّاسِ مُشْتَرِكُونَ في فِعْلِ الواجِباتِ، فَلَوْ حَمَلْنا كَوْنَهُ تَعالى غافِرَ الذَّنْبِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقَلِّ النّاسِ مِن زُمْرَةِ المُطِيعِينَ فَرْقٌ في المَعْنى المُوجِبِ لِهَذا المَدْحِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ غافِرَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ السِّتْرِ ومَعْنى السِّتْرِ إنَّما يُعْقَلُ في الشَّيْءِ الَّذِي
صفحة ٢٥
يَكُونُ باقِيًا مَوْجُودًا فَيُسْتَرُ، والصَّغِيرَةُ تُحْبَطُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِ فاعِلِها، فَمَعْنى الغَفْرِ فِيها غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ قابِلًا لِلتَّوْبِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غافِرَ الذَّنْبِ هَذا المَعْنى لَزِمَ التَّكْرارُ وإنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غافِرَ الذَّنْبِ يُفِيدُ كَوْنَهُ غافِرًا لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ، وذَلِكَ هو كَوْنُهُ غافِرًا لِلْكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في لَفْظِ التَّوْبِ قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ جَماعَةُ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ. قالَ المُبَرِّدُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، يُقالُ: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً، مِثْلُ قالَ يَقُولُ قَوْلًا وقَوْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِتَوْبَةٍ، فَيَكُونُ: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أقْرَبُ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبَلُ هَذا الفِعْلَ.
الثّانِي: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ المُذْنِبِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَوْنَهُ قابِلًا لِلتَّوْبِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِن مَعْنى المَدْحِ إلّا القَلِيلُ، وهو القَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصّالِحِينَ عِنْدَ أداءِ الواجِباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾