< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ:﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾[ص: ٥٥] .

الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ صَبَرُوا عَلى المَكارِهِ والشَّدائِدَ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذا المَعْنى.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ كَذا وكَذا، ومَن خالَفَهُ كانَ لَهُ مِنَ العِقابِ كَذا وكَذا، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا نَظْمٌ حَسَنٌ وتَرْتِيبٌ لَطِيفٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المَآبُ المَرْجِعُ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِقِدَمِ الأرْواحِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِكُلِّ آيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ الرُّجُوعِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ، أنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما يَصْدُقُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأرْواحُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وكانَتْ في حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ ثُمَّ تَعَلَّقَتْ بِالأبْدانِ، فَعِنْدَ انْفِصالِها عَنِ الأبْدانِ يُسَمّى ذَلِكَ رُجُوعًا. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنْ دَلَّ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ، ولا يَدُلُّ عَلى قِدَمِ الأرْواحِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٩١

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذا اللَّفْظِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، فالألِفُ واللّامُ في الوَجْهِ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“ مِنها.

الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿الأبْوابُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ اليَدَ والرِّجْلَ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و”مُفَتَّحَةٌ“ خَبَرُهُ، وكَّلاهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: أحْوالُ مَساكِنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: كَوْنُها جَنّاتٍ وبَساتِينَ.

والثّانِي: كَوْنُها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِضاءِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِالجِنانِ إذا رَأوْا صاحِبَ الجَنَّةِ فَتَحُوا لَهُ أبْوابَها وحَيَّوْهُ بِالسَّلامِ، فَيَدْخُلُ كَذَلِكَ مَحْفُوفًا بِالمَلائِكَةِ عَلى أعَزِّ حالٍ وأجْمَلِ هَيْئَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾[الزُّمَرِ: ٧٣] .

الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ كُلَّما أرادُوا انْفِتاحَها انْفَتَحَتْ لَهم، وكُلَّما أرادُوا انْغِلاقَها انْغَلَقَتْ لَهم.

الثّالِثُ: المُرادُ