< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ووَقَعَتِ السَّمَكَةُ في يَدِ سُلَيْمانَ فَبَقَرَ بَطْنَها فَإذا هو بِالخاتَمِ فَتَخَتَّمَ بِهِ ووَقَعَ ساجِدًا لِلَّهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ مُلْكُهُ وأخَذَ ذَلِكَ الشَّيْطانَ وأدْخَلَهُ في صَخْرَةٍ وألْقاها في البَحْرِ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ لِلْحَشَوِيَّةِ: أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ لَمّا أقْدَمَتْ عَلى عِبادَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ افْتَتَنَ سُلَيْمانُ وكانَ يَسْقُطُ الخاتَمُ مِن يَدِهِ ولا يَتَماسَكُ فِيها، فَقالَ لَهُ آصِفُ إنَّكَ لَمَفْتُونٌ بِذَنْبِكَ فَتُبْ إلى اللَّهِ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ لَهم: قالُوا إنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِبَعْضِ الشَّياطِينِ كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ ؟ فَقالَ أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرْكَ فَلَمّا أعْطاهُ إيّاهُ نَبَذَهُ في البَحْرِ فَذَهَبَ مُلْكُهُ وقَعَدَ هَذا الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحِكايَةَ إلى آخِرِها.

صفحة ١٨٢

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الرِّواياتِ فَهَؤُلاءِ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ وقَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو جُلُوسُ ذَلِكَ الشَّيْطانِ عَلى كُرْسِيِّهِ.

والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ كانَ سَبَبُ فِتْنَتِهِ احْتِجابَهُ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَسُلِبَ مُلْكُهُ وأُلْقِيَ عَلى سَرِيرِهِ شَيْطانٌ عُقُوبَةً لَهُ.

واعْلَمْ أنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ اسْتَبْعَدُوا هَذا الكَلامَ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَتَشَبَّهَ بِالصُّورَةِ والخِلْقَةِ بِالأنْبِياءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى اعْتِمادٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَلَعَلَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَآهُمُ النّاسُ في صُورَةِ مُحَمَّدٍ وعِيسى ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما كانُوا أُولَئِكَ بَلْ كانُوا شَياطِينَ تَشَبَّهُوا بِهِمْ في الصُّورَةِ لِأجْلِ الإغْواءِ والإضْلالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الدِّينَ بِالكُلِّيَّةِ.

الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يُعامِلَ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى مَثَلِها مَعَ جَمِيعِ العُلَماءِ والزُّهّادِ، وحِينَئِذٍ وجَبَ أنْ يَقْتُلَهم وأنْ يُمَزِّقَ تَصانِيفَهم وأنْ يُخَرِّبَ دِيارَهم، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ في حَقِّ آحادِ العُلَماءِ فَلِأنْ يَبْطُلَ مِثْلُهُ في حَقِّ أكابِرِ الأنْبِياءِ أوْلى.

والثّالِثُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُسَلِّطَ الشَّيْطانَ عَلى أزْواجِ سُلَيْمانَ ؟ ولا شَكَّ أنَّهُ قَبِيحٌ.

الرّابِعُ: لَوْ قُلْنا: إنْ سُلَيْمانَ أذِنَ لِتِلْكَ المَرْأةِ في عِبادَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ فَهَذا كُفْرٌ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ البَتَّةَ فالذَّنْبُ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ، فَكَيْفَ يُؤاخِذُ اللَّهُ سُلَيْمانَ بِفِعْلٍ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ؟

فَأمّا الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَها أهْلُ التَّحْقِيقِ في هَذا البابِ فَأشْياءُ:

الأوَّلُ: أنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمانَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَقالَتِ الشَّياطِينُ إنْ عاشَ صارَ مُسَلَّطًا عَلَيْنا مِثْلَ أبِيهِ فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَهُ فَعَلِمَ سُلَيْمانُ ذَلِكَ فَكانَ يُرَبِّيهِ في السَّحابِ فَبَيْنَما هو مُشْتَغِلٌ بِمُهِمّاتِهِ إذْ أُلْقِيَ ذَلِكَ الوَلَدُ مَيِّتًا عَلى كُرْسِيِّهِ فَتَنَبَّهَ عَلى خَطِيئَتِهِ في أنَّهُ لَمْ يَتَوَكَّلْ فِيهِ عَلى اللَّهِ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وأنابَ.

الثّانِي: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قالَ سُلَيْمانُ لِأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةٍ كُلُّ واحِدَةٍ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمَلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ فَجِيءَ بِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ فَوُضِعَ في حِجْرِهِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا كُلُّهم في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ .

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ بِسَبَبِ مَرَضٍ شَدِيدٍ ألْقاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ مِنهُ ﴿جَسَدًا﴾ وذَلِكَ لِشِدَّةِ المَرَضِ. والعَرَبُ تَقُولُ في الضَّعِيفِ إنَّهُ لَحْمٌ عَلى وضَمٍ وجِسْمٌ بِلا رُوحٍ ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ رَجَعَ إلى حالِ الصِّحَّةِ، فاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ الوُجُوهِ ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى حَمْلِهِ عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ الرَّكِيكَةِ.

الرّابِعُ: أقُولُ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهُ ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِ خَوْفٍ أوْ تَوَقُّعِ بَلاءٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلَيْهِ، وصارَ بِسَبَبِ قُوَّةِ ذَلِكَ الخَوْفِ كالجَسَدِ