< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، كالمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي ما يَزِيدُ في مَرَضِهِ، والأبُ الَّذِي يُحِبُّ ولَدَهُ الرَّدِيءَ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا، وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ كانَ ذَلِكَ غايَةَ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ بِمَعْنى أحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الخَيْلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأمْرِهِ لا عَنِ الشَّهْوَةِ والهَوى، وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أقُولُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الشَّمْسِ، لِأنَّهُ جَرى ذَكْرُ ما لَهُ تُعَلُّقٌ بِها وهو العَشِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ والثّانِي بِالصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها.

فالأوَّلُ: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ مَعًا إلى الصّافِناتِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ رُدُّوا الصّافِناتِ عَلَيَّ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ

صفحة ١٧٩

الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدِينَ إلى الشَّمْسِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ رَدُّوا الشَّمْسَ، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَمّا اشْتَغَلَ بِالخَيْلِ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ» فَقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي بِعِيدٌ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، والشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وكانَ يُعِيدُ هَذِهِ الكَلِماتِ إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ جَرْيِها كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وذَلِكَ مُناسِبٌ، ولَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن وقْتِ العَصْرِ إلى وقْتِ المَغْرِبِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ.

الثّالِثُ: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ إلى الشَّمْسِ وحَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ كانَ هَذا مُنافِيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ فَإنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَما نَسِيَ الصَّلاةَ ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الخَيْلِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وفاتَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَكانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وجُرْمًا قَوِيًّا، فالألْيَقُ بِهَذِهِ الحالَةِ التَّضَرُّعُ والبُكاءُ والمُبالَغَةُ في إظْهارِ التَّوْبَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ والعَظَمَةِ لِإلَهِ العالَمِ ورَبِّ العالَمِينَ، رُدُّوها عَلَيَّ، بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهاتِ الأدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الجُرْمِ العَظِيمِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ عَنْ أبْعَدِ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى الرَّسُولِ المُطَهَّرِ المُكَرَّمِ ! .

الخامِسُ: أنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ رُدَّها عَلَيَّ ولا يَقُولَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَإنْ قالُوا: إنَّما ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْظِيمِ المُخاطَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها﴾ لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ ؟ ! .

السّادِسُ: أنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ وإظْهارِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَهُ.

السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى