< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾[النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾﴿عَلى قَلْبِكَ﴾[الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾[المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي عَنْ جَواهِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إفاضَةِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَهَذِهِ مُناسَباتٌ عَقْلِيَّةٌ واعْتِباراتٌ حَقِيقِيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّافّاتِ جَمْعُ الجَمْعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: جَماعَةٌ صافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلى صافّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أمّا التَّأْنِيثُ في اللَّفْظِ فَلا، وكَيْفَ وهم يُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ حاصِلَةٌ في هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الصّافّاتُ عَلى النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ المُقْبِلَةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى -الَّذِينَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ عِنْدَ أداءِ الصَّلَواتِ بِالجَماعَةِ
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ كَأنَّهم بِسَبَبِ قِراءَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ في أثْناءِ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وقِيلَ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ كَأنَّهُ يَزْجُرُ الشَّيْطانَ بِواسِطَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ عَلى بُيُوتِ أصْحابِهِ في اللَّيالِي، فَسَمِعَ أبا بَكْرٍ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وسَمِعَ عُمَرَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَسَألَ أبا بَكْرٍ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: المَعْبُودُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وسَألَ عُمَرَ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ» .الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ مِنَ العُلَماءِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالزَّجْرِ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في العَمَلِ بِشَرائِعِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَحْمِلَها عَلى أحْوالِ الغُزاةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ مِنهُ صُفُوفُ القِتالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾[الصف: ٤]وأمّا (الزّاجِراتِ زَجْرًا) فالزَّجْرَةُ والصَّيْحَةُ سَواءٌ، والمُرادُ مِنهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِزَجْرِ الخَيْلِ، وأمّا (التّالِياتِ ذِكْرًا) فالمُرادُ اشْتِغالُ الغُزاةِ وقْتَ شُرُوعِهِمْ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِقِراءَةِ