< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هو سُنَّةُ اللَّهِ بِالأوَّلِينَ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ يُضافُ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِما مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، فَيُقالُ فِيما إذا ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ عَمْرٍو كَيْفَ ضُرِبَ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَزْمِ والقُوَّةِ، وعَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ كَيْفَ ضَرَبَ مَعَ ما لَهُ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ ؟ فَكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ بِهِمْ أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها سُنَّةٌ سُنَّتْ بِهِمْ، وأضافَها إلى نَفْسِهِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ:

صفحة ٣٢

﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لِأنَّها سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللَّهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: أضافَها في الأوَّلِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ لِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الإهْلاكُ بِالإشْراكِ، والإكْرامُ عَلى الإسْلامِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّهم يَنْتَظِرُونَ أيَّهُما فَإذا قالَ: سُنَّةُ الأوَّلِينَ تَمَيَّزَتْ، وفي الثّانِي أضافَها إلى اللَّهِ، لِأنَّها لَمّا عُلِمَتْ فالإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعْظِيمُها، وتَبَيَّنَ أنَّها أمْرٌ واقِعٌ لَيْسَ لَها مِن دافِعٍ.

وثانِيهِما: أنَّ المُرادَ مِن سُنَّةِ الأوَّلِينَ اسْتِمْرارُهم عَلى الإنْكارِ واسْتِكْبارُهم عَنِ الإقْرارِ، وسُنَّةُ اللَّهِ اسْتِئْصالُهم بِإصْرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ تُرِيدُونَ الإتْيانَ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، واللَّهُ يَأْتِي بِسُنَّةٍ لا تَبْدِيلَ لَها، ولا تَحْوِيلَ عَنْ مُسْتَحِقِّها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّبْدِيلُ تَحْوِيلٌ فَما الحِكْمَةُ في التَّكْرارِ ؟ نَقُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ حَصَلَ العِلْمُ بِأنَّ العَذابَ لا تَبْدِيلَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ حَصَلَ العِلْمُ بِأنَّ العَذابَ مَعَ أنَّهُ لا تَبْدِيلَ لَهُ بِالثَّوابِ لا يَتَحَوَّلُ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ إلى غَيْرِهِ فَيَتِمُّ تَهْدِيدُ المُسِيءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عامًّا، كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تَجِدَ أيُّها السّامِعُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا فَكَأنَّهُ قالَ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ لا يُهْلِكُ ما بَقِيَ في القَوْمِ مَن كَتَبَ اللَّهُ إيمانَهُ، فَإذا آمَنَ مَن في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يُؤْمِنُ يُهْلِكُ الباقِينَ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ﴾ (نُوحٍ: ٢٧) أيْ تُمْهِلُ الأمْرَ وجاءَ وقْتُ سُنَّتِكَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ .

لَمّا ذَكَرَ أنَّ لِلْأوَّلِينَ سُنَّةً وهي الإهْلاكُ نَبَّهَهم بِتَذْكِيرِ حالِ الأوَّلِينَ، فَإنَّهم كانُوا مارِّينَ عَلى دِيارِهِمْ رائِينَ لِآثارِهِمْ، وأمَلُهم كانَ فَوْقَ أمَلِهِمْ، وعَمَلُهم كانَ دُونَ عَمَلِهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلِطُولِ أعْمارِهِمْ وشِدَّةِ اقْتِدارِهِمْ، وأمّا عَمَلُهم فَلِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا مِثْلَ مُحَمَّدٍ ولا مُحَمَّدًا وأنْتُمْ يا أهْلَ مَكَّةَ كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا ومَن تَقَدَّمَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الرُّومِ، بَقِيَ فِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: قالَ هُناكَ: ﴿كانُوا أشَدَّ﴾ مِن غَيْرِ واوٍ، وقالَ هَهُنا بِالواوِ فَما الفَرْقُ ؟ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: أما رَأيْتَ زَيْدًا كَيْفَ أكْرَمَنِي، وأعْظَمُ مِنكَ، يُفِيدُ أنَّ القائِلَ يُخْبِرُهُ بِأنَّ زَيْدًا أعْظَمُ، وإذا قالَ: أما رَأيْتَهُ كَيْفَ أكْرَمَنِي هو أعْظَمُ مِنكَ يُفِيدُ أنَّهُ تَقَرَّرَ أنَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ عِنْدَ السّامِعِ، كَأنَّهُ رَآهُ أكْرَمَهُ، ورَآهُ أكْبَرَ مِنهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ الأخِيرَةَ تُفِيدُ كَوْنَ الأمْرِ الثّانِي في الظُّهُورِ مِثْلَ الأوَّلِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى إعْلامٍ مِنَ المُتَكَلِّمِ ولا إخْبارٍ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَذْكُورُ هَهُنا كَوْنُهم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً لا غَيْرَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ ظاهِرًا عِنْدَهم، فَقالَ بِالواوِ أيْ نَظَرُكم كَما يَقَعُ عَلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ يَقَعُ عَلى قُوَّتِهِمْ، وأمّا هُناكَ فالمَذْكُورُ أشْياءُ كَثِيرَةٌ فَإنَّهُ قالَ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ (الرُّومِ: ٩) وفي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ