< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وقالَ: المُرادُ الوَجْهُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: الصَّوْتُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ وصْفٍ مَحْمُودٍ، والأوْلى أنْ يُعَمَّمَ، ويُقالَ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ كامِلٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَيَزِيدُ ما يَشاءُ ويَنْقُصُ ما يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يُقَرِّرُ قَوْلَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ كَمالَ القُدْرَةِ ذَكَرَ بَيانَ نُفُوذِ المَشِيئَةِ ونَفاذِ الأمْرِ، وقالَ: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ، يَعْنِي إنْ رَحِمَ فَلا مانِعَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَرْحَمْ فَلا باعِثَ لَهُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: التَّقْدِيمُ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ فَتْحِ أبْوابِ الرَّحْمَةِ في الذِّكْرِ، وهو وإنْ كانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ الفَضْلِ.

وثانِيها: هو أنَّهُ أنَّثَ الكِنايَةَ في الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وجازَ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ أنْ يُقالَ لَهُ ويَكُونُ عائِدًا إلى ما، ولَكِنْ قالَ تَعالى: (لَها) لِيُعْلَمَ أنَّ المَفْتُوحَ أبْوابُ الرَّحْمَةِ ولا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ فَهي وصْلَةٌ إلى مَن رَحِمَتْهُ، وقالَ عِنْدَ الإمْساكِ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ لَهُما فَما صَرَّحَ بِأنَّهُ لا مُرْسِلَ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لا يُرْسِلُ هو غَيْرُ الرَّحْمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُمْسِكْ﴾ عامٌّ مِن غَيْرِ بَيانٍ وتَخْصِيصٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ مُبَيَّنٌ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ، فاسْتَثْنى هَهُنا وقالَ: لا مُرْسِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ فَنَزَلَ لَهُ مُرْسَلًا. وعِنْدَ الإمْساكِ قالَ: لا مُمْسِكَ لَها، ولَمْ يَقُلْ: غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ إذا جاءَتْ لا تَرْتَفِعُ فَإنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لا يُعَذِّبُهُ بَعْدَها هو ولا غَيْرُهُ، ومَن يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فَقَدْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ العَذابِ كالفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.

﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾

لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.

فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.

وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .

ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.

فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ