< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah034
Saba (34)
Sheba, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
السَّماواتِ والأرْضِ إذا كانَ لِلَّهِ ونَحْنُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ لا هو، يُوجِبُ ذَلِكَ شُكْرًا لا يُوجِبُهُ كَوْنُ ذَلِكَ لَنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ الحَمْدَ هَهُنا إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي في الآخِرَةِ، فَلِمَ ذَكَرَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَنَقُولُ: نِعَمُ الآخِرَةِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَذَكَرَ اللَّهُ النِّعَمَ المَرْئِيَّةَ وهي ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ لِيُقاسَ نِعَمُ الآخِرَةِ بِنِعَمِ الدُّنْيا ويُعْلَمَ فَضْلُها بِدَوامِها وفَناءِ العاجِلَةِ ولِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالحِكْمَةِ والخَيْرِ، والحِكْمَةُ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لِلَّهِ لا يُمْكِنُ زَوالُها فَيُمْكِنُ مِنهُ إيجادُ أمْثالِ هَذِهِ مَرَّةً أُخْرى في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الفِعْلُ فَإنَّ مَن يَعْلَمُ أمْرًا ولَمْ يَأْتِ بِما يُناسِبُ عِلْمَهُ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ، فالفاعِلُ الَّذِي فِعْلُهُ عَلى وفْقِ العِلْمِ هو الحَكِيمُ، والخَبِيرُ هو الَّذِي يَعْلَمُ عَواقِبَ الأُمُورِ وبَواطِنَها فَقَوْلُهُ: (حَكِيمٌ) أيْ في الِابْتِداءِ يَخْلُقُ كَما يَنْبَغِي وخَبِيرٌ أيْ بِالِانْتِهاءِ يَعْلَمُ ماذا يَصْدُرُ مِنَ المَخْلُوقِ وما لا يَصْدُرُ إلى ماذا يَكُونُ مَصِيرُ كُلِّ أحَدٍ فَهو حَكِيمٌ في الِابْتِداءِ خَبِيرٌ في الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَما أخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ .
ما يَلِجُ في الأرْضِ مِنَ الحَبَّةِ والأمْواتِ ويَخْرُجُ مِنها مِنَ السَّنابِلِ والأحْياءِ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن أنْواعِ رَحْمَتِهِ مِنها المَطَرُ ومِنها المَلائِكَةُ ومِنها القُرْآنُ، وما يَعْرُجُ فِيها مِنها الكَلِمُ الطَّيِّبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ومِنها الأرْواحُ ومِنها الأعْمالُ الصّالِحَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر: ١٠] وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٠٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ ما يَلِجُ في الأرْضِ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّ الحَبَّةَ تُبْذَرُ أوَّلًا ثُمَّ تُسْقى ثانِيًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: وما يَعْرُجُ فِيها ولَمْ يَقُلْ: يَعْرُجُ إلَيْها إشارَةً إلى قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ومَرْتَبَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ وهَذا لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِلْغايَةِ، فَلَوْ قالَ وما يَعْرُجُ إلَيْها لَفُهِمَ الوُقُوفُ عِنْدَ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ لِيُفْهَمَ نُفُوذُها فِيها وصُعُودُها مِنها ولِهَذا قالَ في الكَلِمِ الطَّيِّبِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ لِأنَّ اللَّهَ هو المُنْتَهى ولا مَرْتَبَةَ فَوْقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، وأمّا السَّماءُ فَهي دُنْيا وفَوْقَها المُنْتَهى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ رَحِيمٌ بِالإنْزالِ حَيْثُ يُنْزِلُ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ، غَفُورٌ عِنْدَما تَعْرُجُ إلَيْهِ الأرْواحُ والأعْمالُ فَرَحِمَ أوَّلًا بِالإنْزالِ وغَفَرَ ثانِيًا عِنْدَ العُرُوجِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ اللَّهُ بِها الحَمْدَ وهي نِعْمَةُ الآخِرَةِ أنْكَرَها قَوْمٌ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
أخْبَرَ بِإتْيانِها وأكَّدَهُ بِاليَمِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَصِحُّ التَّأْكِيدُ بِاليَمِينِ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ: لا رَبَّ وإنْ كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، لَكِنَّ المَسْألَةَ الأُصُولِيَّةَ لا تَثْبُتُ بِاليَمِينِ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اليَمِينِ بَلْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾وبَيانُ كَوْنِهِ دَلِيلًا هو أنَّ المُسِيءَ قَدْ يَبْقى في الدُّنْيا مُدَّةً مَدِيدَةً في اللَّذّاتِ العاجِلَةِ ويَمُوتُ عَلَيْها، والمُحْسِنُ قَدْ يَدُومُ في دارِ الدُّنْيا في الآلامِ الشَّدِيدَةِ مُدَّةً ويَمُوتُ فِيها، فَلَوْلا دارٌ تَكُونُ الأجْزِيَةُ فِيها لَكانَ الأمْرُ عَلى