< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah033
Al-Ahzaab (33)
The Clans, madinah, 73 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والسَّلامُ في حالِ حَياتِهِ كانَ يَصِيرُ لَهُ مالُ الغَيْرِ إذا أرادَهُ ولا يَصِيرُ مالُهُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى عَوَّضَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ قَطْعِ مِيراثِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلى تَمَلُّكِ مالِ الغَيْرِ، وعَوَّضَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ ما تَرَكَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، حَتّى لا يَكُونَ حَرَجٌ عَلى المُؤْمِنِينَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا أرادَ شَيْئًا يَصِيرُ لَهُ ثُمَّ يَمُوتُ ويَبْقى لِوَرَثَتِهِ فَيُفَوَّتُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى:﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي بَيْنَكُمُ التَّوارُثُ فَيَصِيرُ مالُ أحَدِكم لِغَيْرِهِ بِالإرْثِ، والنَّبِيُّ لا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقارِبِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلُ هَذا أنَّهُ أوْلى في حَياتِهِ بِما في أيْدِيكم.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ دَلِيلًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ وهو أنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ثُمَّ إذا أرادَ أحَدٌ بِرًّا مَعَ صَدِيقٍ فَيُوصِي لَهُ بِشَيْءٍ فَيَصِيرُ أوْلى مِن قَرِيبِهِ وكَأنَّهُ بِالوَصِيَّةِ قَطَعَ الإرْثَ وقالَ: هَذا مالِي لا يَنْتَقِلُ عَنِّي إلّا إلى مَن أُرِيدُهُ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ تَعالى جَعَلَ لِصَدِيقِهِ مِنَ الدُّنْيا ما أرادَهُ ثُمَّ ما يَفْضُلُ مِنهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: في القُرْآنِ وهو آيَةُ المَوارِيثِ والوَصِيَّةِ.
والثّانِي: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾
وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاتِّقاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وأكَّدَهُ بِالحِكايَةِ الَّتِي خَشِيَ فِيها النّاسَ لِكَيْ لا يَخْشى فِيها أحَدًا غَيْرَهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ أمْرًا يُوجِبُ الخَشْيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أكَّدَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ وقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ اتَّقِ اللَّهَ ولا تَخَفْ أحَدًا واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ في أنَّهم يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ خَوْفٌ ولا طَمَعٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنَ النَّبِيِّينَ إرْسالُهم وأمْرُهم بِالتَّبْلِيغِ.
صفحة ١٧١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ بِالذِّكْرِ أرْبَعَةً مِنَ الأنْبِياءِ وهم: نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى؛ لِأنَّ مُوسى وعِيسى كانَ لَهُما في زَمانِ نَبِيِّنا قَوْمٌ وأُمَّةٌ فَذَكَرَهُما احْتِجاجًا عَلى قَوْمِهِما، وإبْراهِيمَ كانَ العَرَبُ يَقُولُونَ بِفَضْلِهِ وكانُوا يَتْبَعُونَهُ في الشَّعائِرِ بَعْضِها، ونُوحًا لِأنَّهُ كانَ أصْلًا ثانِيًا لِلنّاسِ حَيْثُ وُجِدَ الخَلْقُ مِنهُ بَعْدَ الطُّوفانِ، وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ: فَآدَمُ كانَ أوْلى بِالذِّكْرِ مِن نُوحٍ. فَنَقُولُ: خَلْقُ آدَمَ كانَ لِلْعِمارَةِ ونُبُوَّتُهُ كانَتْ مِثْلَ الإرْشادِ لِلْأوْلادِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ إهْلاكُ قَوْمٍ ولا تَعْذِيبٌ، وأمّا نُوحٌ فَكانَ مَخْلُوقًا لِلنُّبُوَّةِ وأُرْسِلَ لِلْإنْذارِ، ولِهَذا أُهْلِكَ قَوْمُهُ وأُغْرِقُوا.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، ﴿المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا أبَ لَهُ إذْ لَوْ كانَ لَوَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ غِلَظُ المِيثاقِ هو سُؤالُهم عَمّا فَعَلُوا في الإرْسالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾[الأعراف: ٦] وهَذا لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا وأمَرَهُ بِشَيْءٍ وقَبِلَهُ فَهو مِيثاقٌ، فَإذا أعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَسْألُ عَنْ حالِهِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ يَكُونُ ذَلِكَ تَغْلِيظًا لِلْمِيثاقِ عَلَيْهِ حَتّى لا يَزِيدَ ولا يَنْقُصَ في الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾[النساء: ٢١] هو الإخْبارُ بِأنَّهم مَسْئُولُونَ عَنْها، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «كُلُّكم