< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah033
Al-Ahzaab (33)
The Clans, madinah, 73 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِغَيْرِ القَوْلِ فَمَن آذى مُؤْمِنًا بِالضَّرْبِ أوْ أخَذَ مالَهُ لا يَكُونُ قَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا، فَنَقُولُ: المُرادُ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ. وهَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ إظْهارَ شَرَفِ المُؤْمِنِ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهَ لُعِنَ، وإيذاءُ اللَّهِ بِأنْ يُنْكَرَ وُجُودُ اللَّهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ دَلائِلِ وجُودِهِ أوْ يُشْرَكَ بِهِ مَن لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ، أوْ مَن لا يَقْدِرُ ولا يَعْلَمُ، أوْ مَن هو مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ إلى مُوجِدٍ، وهو قَوْلٌ ذَكَرَ إيذاءَ المُؤْمِنِ بِالقَوْلِ، وعَلى هَذا خُصَّ الأنْبِياءُ بِالقَوْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ وأتَمُّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْدِرُ أنْ يُؤْذِيَ اللَّهَ بِما يُؤْلِمُهُ مِن ضَرْبٍ أوْ أخْذِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ فَيُؤْذِيهِ بِالقَوْلِ، ولِأنَّ الفَقِيرَ الغائِبَ لا يُمْكِنُ إيذاؤُهُ بِالفِعْلِ، ويُمْكِنُ إيذاؤُهُ بِالقَوْلِ بِأنْ يَقُولَ فِيهِ ما يَصِلُ إلَيْهِ فَيَتَأذّى.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ هو أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ مُسْتَدْرَكٌ فَكَأنَّهُ قالَ: احْتَمَلَ بُهْتانًا إنْ كانَ بِالقَوْلِ وإثْمًا مُبِينًا كَيْفَما كانَ الإيذاءُ، وكَيْفَما كانَ فَإنَّ اللَّهَ خَصَّ الإيذاءَ القَوْلِيَّ بِالذِّكْرِ، لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ أعَمُّ ولِأنَّهُ أتَمُّ لِأنَّهُ يَصِلُ إلى القَلْبِ، فَإنَّ الكَلامَ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ واللِّسانُ دَلِيلُهُ ويَدْخُلُ في القَلْبِ والآذانُ سَبِيلُهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُ بُهْتانًا وكانَ فِيهِ مَنعُ المُكَلَّفِ عَنْ إيذاءِ المُؤْمِنِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِاجْتِنابِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها التُّهَمُ المُوجِبَةُ لِلتَّأذِّي لِئَلّا يَحْصُلَ الإيذاءُ المَمْنُوعُ مِنهُ. ولَمّا كانَ الإيذاءُ القَوْلِيُّ مُخْتَصًّا بِالذِّكْرِ اخْتَصَّ بِالذِّكْرِ ما هو سَبَبُ الإيذاءِ القَوْلِيِّ وهو النِّساءُ فَإنَّ ذِكْرَهُنَّ بِالسُّوءِ يُؤْذِي الرِّجالَ والنِّساءَ بِخِلافِ ذِكْرِ الرِّجالِ فَإنَّ مَن ذَكَرَ امْرَأةً بِالسُّوءِ تَأذَّتْ وتَأذّى أقارِبُها أكْثَرَ مِن تَأذِّيها، ومَن ذَكَرَ رَجُلًا بِالسُّوءِ تَأذّى ولا يَتَأذّى نِساؤُهُ، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ تَخْرُجُ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفاتٍ يَتْبَعُهُنَّ الزُّناةُ وتَقَعُ التُّهَمُ، فَأمَرَ اللَّهُ الحَرائِرَ بِالتَّجَلْبُبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ قِيلَ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يُتْبَعْنَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ لا يَزْنِينَ لِأنَّ مَن تَسْتُرُ وجْهَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لا يُطْمَعُ فِيها أنَّها تَكْشِفُ عَوْرَتَها فَيُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ مَسْتُوراتٌ
صفحة ١٩٩
لا يُمْكِنُ طَلَبُ الزِّنا مِنهُنَّ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لَكم ما قَدْ سَلَفَ بِرَحْمَتِهِ ويُثِيبُكم عَلى ما تَأْتُونَ بِهِ راحِمًا عَلَيْكم.﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾
لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرِ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ الباطِلَ وهو المُنافِقُ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ أقْوامًا ثَلاثَةً نَظَرًا إلى اعْتِبارِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: وهُمُ المُؤْذُونَ اللَّهَ، والمُؤْذُونَ الرَّسُولَ، والمُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ مِنَ المُسِرِّينَ ثَلاثَةً نَظَرًا إلى اعْتِبارِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: المُنافِقُ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ سِرًّا.
والثّانِي: الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ.
والثّالِثُ: المُرْجِفُ الَّذِي يُؤْذِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإرْجافِ بِقَوْلِهِ: غُلِبَ مُحَمَّدٌ وسَيَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ وسَيُؤْخَذُ، وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا قَوْمًا واحِدًا إلّا أنَّ لَهم ثَلاثَ اعْتِباراتٍ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾[الأحزاب: ٣٥] حَيْثُ ذَكَرَ أصْنافًا عَشَرَةً، وكُلُّهم يُوجَدُ في واحِدٍ، فَهم واحِدٌ بِالشَّخْصِ كَثِيرٌ بِالِاعْتِبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾أيْ لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ ولَنُخْرِجَنَّهم مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ وتَخْلُو المَدِينَةُ مِنهم بِالمَوْتِ أوِ الإخْراجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، فَإذا أغْرَيْناكَ