< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يُقالُ: إنَّ فُلانًا سَبَقَ البُخَلاءَ في البُخْلِ، وسَبَقَ اللِّئامَ في اللُّؤْمِ إذا زادَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى:﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) بَيانًا لِما ذَكَرْنا، يَعْنِي تَقْضُونَ الشَّهْوَةَ بِالرِّجالِ مَعَ قَطْعِ السَّبِيلِ المُعْتادِ مَعَ النِّساءِ المُشْتَمِلِ عَلى المَصْلَحَةِ الَّتِي هي بَقاءُ النَّوْعِ، حَتّى يُظْهِرَ أنَّهُ قَبِيحٌ لَمْ يَسْتُرْ قُبْحَهُ مَصْلَحَةً، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ (الأعْرافِ:٨١ ) يَعْنِي: إتْيانُ النِّساءِ شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ مُسْتَتِرَةٌ بِالمَصْلَحَةِ فَلَكم دافِعٌ لِحاجَتِكم لا فاحِشَةَ فِيهِ وتَتْرُكُونَهُ وتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مَعَ الفاحِشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ يَعْنِي ما كَفاكم قُبْحُ فِعْلِكم حَتّى تَضُمُّونَ إلَيْهِ قُبْحَ الإظْهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ في التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقالَ قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وما هَدَّدُوهُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أعْظَمَ مِن لُوطٍ، فَإنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِهِ، فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقْدَحُ في دِينِهِمْ ويَشْتُمُ آلِهَتَهم بِتَعْدِيدِ صِفاتِ نَقْصِهِمْ بِقَوْلِهِ: لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي والقَدْحُ في الدِّينِ صَعْبٌ، فَجَعَلُوا جَزاءَهُ القَتْلَ والتَّحْرِيقَ، ولُوطٌ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم ويَنْسُبُهم إلى ارْتِكابِ المُحَرَّمِ وهم ما كانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذا واجِبٌ مِنَ الدِّينِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما صَعُبَ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ قَوْلُ إبْراهِيمَ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّ هَذا حَرامٌ واللَّهُ يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَقُولُ لا يُعَذِّبُ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِالعَذابِ، فَإنْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ أخَرَ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ (النَّمْلِ: ٥٦ ) وقالَ هَهُنا ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ فَنَقُولُ لُوطٌ كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ مُكَرِّرًا عَلَيْهِمُ التَّغْيِيرَ والنَّهْيَ والوَعِيدَ، فَقالُوا أوَّلًا: ائْتِنا، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوا، ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ وذَكَّرَهم بِما لا يُحِبُّ اللَّهُ فَـ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، حَتّى يُنْجِزَ النَّصْرَ.

واعْلَمْ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ما طَلَبَ هَلاكَ قَوْمٍ إلّا إذا عَلِمَ أنَّ عَدَمَهم خَيْرٌ مِن وُجُودِهِمْ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٧ ) يَعْنِي: المَصْلَحَةُ إمّا فِيهِمْ حالًا، أوْ بِسَبَبِهِمْ مَآلًا ولا

صفحة ٥٣

مَصْلَحَةَ فِيهِمْ، فَإنَّهم يَضِلُّونَ في الحالِ وفي المَآلِ فَإنَّهم يُوصُونَ الأوْلادَ مِن صِغَرِهِمْ بِالِامْتِناعِ مِنَ الِاتِّباعِ، فَكَذَلِكَ لُوطٌ لَمّا رَأى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الحالِ واشْتَغَلُوا بِما لا يُرْجى مَعَهُ مِنهم ولَدٌ صالِحٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَطَلَتِ المَصْلَحَةُ حالًا ومَآلًا، فَعَدَمُهم صارَ خَيْرًا، فَطَلَبَ العَذابَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾

لَمّا دَعا لُوطٌ عَلى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِإهْلاكِهِمْ وأرْسَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَجاءُوا إبْراهِيمَ وبَشَّرُوهُ بِذُرِّيَّةٍ طَيِّبَةٍ وقالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي أهْلَ سَدُومَ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ:

إحْداهُما: أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ،لَكِنَّ البِشارَةَ أثَرُ الرَّحْمَةِ، والإنْذارَ بِالإهْلاكِ أثَرُ الغَضَبِ، ورَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَقَدَّمَ البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ.

وقالَ: ﴿جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ .

الثّانِيَةُ: حِينَ ذَكَرُوا البُشْرى ما