< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ:﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ تَشْهِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِها ودُعاءُ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَنطِقُ كُلُّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، وقَدْ تَرْجَمَ يَعْقُوبُ كِتابَهُ بِإصْلاحِ المَنطِقِ وما أصْلَحَ فِيهِ إلّا مُفْرَداتِ الكَلِمِ، وقالَتِ العَرَبُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ؛ فالَّذِي عَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَقاصِدِهِ وأغْراضِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ كَثْرَةُ ما أُوتِيَ وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ والبَعْضَ الكَثِيرَ يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الكَثْرَةِ، والمُشارَكَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ الِاسْتِعارَةِ فَلا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الكَثِيرِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ فَهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الشُّكْرُ والمَحْمَدَةُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ”عُلِّمْنا، وأُوتِينا“ وهو مِن كَلامِ المُتَكَبِّرِينَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ نَفْسَهُ وأباهُ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّونَ يُقالُ لَها: نُونُ الواحِدِ المُطاعِ وكانَ مَلِكًا مُطاعًا، وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ المَلِكِ مَصالِحُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ واجِبًا.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ فالحَشْرُ هو الإحْضارُ والجَمْعُ مِنَ الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الأصْنافِ جُنُودَهُ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ يَتَصَرَّفَ عَلى مُرادِهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ العَقْلِ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ التَّكْلِيفُ، أوْ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المُراهِقِ الَّذِي قَدْ قارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَلِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الطَّيْرَ في أيّامِهِ مِمّا لَهُ عَقْلٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الطُّيُورِ في أيّامِنا وإنْ كانَ فِيها ما قَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى الدَّقائِقَ الَّتِي خُصَّتْ بِالحاجَةِ إلَيْها أوْ خَصَّها اللَّهُ بِها لِمَنافِعِ العِبادِ كالنَّحْلِ وغَيْرِهِ.

صفحة ١٦١

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ يُحْبَسُونَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَ في كُلِّ قَبِيلٍ مِنها وازِعٌ، ويَكُونُ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلى مَن يَرُدُّهُ ويَكُفُّهُ ويَصْرِفُهُ، فالظّاهِرُ يَشْهَدُ بِهَذا القَدْرِ والَّذِي جاءَ في الخَبَرِ مِن أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ مَن يَتَقَدَّمُ لِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَعَ جُنُودِهِ عَلى تَرْتِيبٍ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ﴾ فَقِيلَ هو وادٍ بِالشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ، ويُقالُ لَهُ لِمَ عَدّى ﴿أتَوْا﴾ بِعَلى ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ إتْيانَهم كانَ مِن فَوْقُ فَأتى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.

والثّانِي: أنْ يُرادَ قَطْعُ الوادِي وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ أتى عَلى الشَّيْءِ إذا بَلَغَ آخِرَهُ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوادِي، وقُرِئَ ”نَمُلَةٌ يا أيُّها النُّمُلُ“ بِضَمِّ المِيمِ وبِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ وكانَ الأصْلُ النَّمُلَ بِوَزْنِ الرَّجُلِ والنَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ تَخْفِيفٌ عَنْهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾فالمَعْنى أنَّها تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ فِيها العَقْلَ والنُّطْقَ. وعَنْ