< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾[القصص: ٣٠] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها“ وعَنْهُ أيْضًا: ”بُورِكَتِ النّارُ“ .

البَحْثُ الثّالِثُ: السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ بُورِكَتِ البُقْعَةُ، وبُورِكَ مَن فِيها وحَوالَيْها حُدُوثُ هَذا الأمْرِ

صفحة ١٥٧

العَظِيمِ فِيها وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعْلُهُ رَسُولًا وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ أرْضَ الشّامِ مَوْسُومَةً بِالبَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾[الأنبياء: ٧١] وحُقَّتْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَهي مَبْعَثُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَهْبِطُ الوَحْيِ وكِفاتُهم أحْياءً وأمْواتًا.

البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةً لِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ قُضِيَ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ البَرَكَةُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً في صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الوَقائِعِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الهاءُ في ”إنَّهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ و﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلْخَبَرِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ يَعْنِي: أنَّ مُكَلِّمَكَ ”أنا“ واللَّهُ بَيانٌ لِ ”أنا“، و”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ صِفَتانِ لِلتَّعْيِينِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ يُرِيدُ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النِّداءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ: لِأهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَعَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: قَوْلُ أئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ: إنَّما عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّ النِّداءَ إذا حَصَلَ في النّارِ أوِ الشَّجَرَةِ عُلِمَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ أحَدًا مِنّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: الشَّيْطانُ دَخَلَ في النّارِ والشَّجَرَةِ ثُمَّ نادى.

وثانِيها: يَجُوزُ في نَفْسِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ مَبْلَغًا لا يَكُونُ إلّا مُعْجِزًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنّا لا نَعْرِفُ مَقادِيرَ قُوى المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ فَلا قَدْرَ إلّا ويَجُوزُ صُدُورُهُ مِنهم.

وثالِثُها: أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مُعْجِزٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّ النّارَ كانَتْ مُشْتَعِلَةً في شَجَرَةٍ خَضْراءَ لَمْ تَحْتَرِقْ فَصارَ ذَلِكَ كالمُعْجِزِ، وهَذا هو الأصَحُّ واللَّهُ أعْلَمُ.

[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ]

﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ١٥٨

﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ