< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah027
An-Naml (27)
The Ant, makkah, 93 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِأنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ بِالثَّوابِ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعادَةِ بَعْدَ الِابْتِداءِ والإبْلاغِ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ الكَلامُ كُلَّ هَذِهِ النِّعَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّها لا تَتِمُّ إلّا بِالأرْزاقِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾، ثم قال: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مُنْكِرًا لِما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنْ لا بُرْهانَ لَكم، فَإذَنْ هم مُبْطِلُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الدَّعْوى مِن وعَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهم: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم مُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ ؟ جَوابُهُ: كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالِابْتِداءِ، ودَلالَةُ الِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ مَقْرُونًا بِالدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ صارُوا كَأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ، وهَهُنا آخِرُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبْتَ أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ، لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ مُجازاةُ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ بِأهْلِ العِقابِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ حُكْمُهُ إخْراجُ ما لَوْلاهُ، لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، ودَلَّتِ الآيَةُ هَهُنا عَلى اسْتِثْناءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى في المَكانِ، والجَوابُ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في المَكانِ زَعَمَ أنَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ، فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنْ كُلِّ الأمْكِنَةِ، فَثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذَنْ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ: اللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ عَلى مَعْنى أنَّ عِلْمَهُ في الأماكِنِ كُلِّها، لا يُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ مَجازٌ، وكَوْنَهم فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإرادَةُ المُتَكَلِّمِ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ حَقِيقَةً ومَجازًا غَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنّا نَقُولُ: كَوْنُهم في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما أنَّهُ حاصِلٌ حَقِيقَةً، وهو حُصُولُ ذَواتِهِمْ في الأحْيازِ، فَكَذَلِكَ حاصِلٌ مَجازًا، وهو كَوْنُهم عالِمِينَ
صفحة ١٨٢
بِتِلْكَ الأمْكِنَةِ، فَإذا حَمَلْنا هَذِهِ الغَيْبَةَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو الكَوْنُ فِيها بِمَعْنى العِلْمِ دَخَلَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَبِيدُ فِيهِ، فَصَحَّ الِاسْتِثْناءُ.أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ فَهو صِفَةٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم عَلِمُ الغَيْبِ، وذَكَرَ في جُمْلَةِ الغَيْبِ مَتى البَعْثُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فَأيّانَ بِمَعْنى مَتى وهي كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ والآنَ، وهو الوَقْتُ، وقُرِئَ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلامَ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى ثَلاثَةِ أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً: بَلْ أدْرَكَ، بَلِ ادَّرَكَ، بَلِ ادّارَكَ، بَلْ تَدارَكَ، بَلْ أأدْرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ، بَلْ آأدْرَكَ بِألْفٍ بَيْنَهُما، بَلْ آدْرَكَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّقْلُ، بَلَ ادَّرَكَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ: بَلْ أدَّرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، بَلى أدْرَكَ، بَلى أأدْرَكَ، أمْ تَدارَكَ، أمْ أدْرَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ادّارَكَ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وأدَّرَكَ افْتَعَلَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: مَعْنى ادَّرَكَ عِلْمُهُمُ انْتَهى وتَكامَلَ، وأدْرَكَ تَتابَعَ واسْتَحْكَمَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم، ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِها، وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: