< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah026
Ash-Shu'araa (26)
The Poets, makkah, 227 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وقَعَ بَقِيَ إلى الأمَدِ المَعْلُومِ.
أمّا هِدايَتُهُ تَعالى فَهي مِمّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ حِينٍ وأوانٍ سَواءً كانَ ذَلِكَ هِدايَةً في المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تَحَكُّمَ الحَواسِّ بِتَمْيِيزِ المَنافِعِ عَنِ المَضارِّ أوْ في المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْكُمَ العَقْلِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والخَيْرِ عَنِ الشَّرِّ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَهُ بِسائِرِ ما تَكامَلَ بِهِ خَلْقُهُ في الماضِي دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِضُرُوبِ الهِداياتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِمَنافِعِ الرِّزْقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا خَلَقَ لَهُ الطَّعامَ ومَلَّكَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن أكْلِهِ والِاغْتِذاءِ بِهِ نَحْوَ الشَّهْوَةِ والقُوَّةِ والتَّمْيِيزِ لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ ونَبَّهَ بِذِكْرِهِما عَلى ما عَداهُما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ لِمَ قالَ: ﴿مَرِضْتُ﴾ دُونَ أمْرَضَنِي ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا التُّخَمُ.
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإماتَةُ في الدُّنْيا والتَّخَلُّصُ عَنْ آفاتِها وعُقُوباتِها، والمُرادُ مِنَ الإحْياءِ المُجازاةُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى
صفحة ١٢٦
ما هو مَطْلُوبُ كُلِّ عاقِلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنِ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ.واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَ في هَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ الأبَدِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والرَّجاءِ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِذَلِكَ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ بِهِ.
الثّانِي: المُرادُ مِنَ الطَّمَعِ اليَقِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه تَعْلِيمًا مِنهُ لِأُمَّتِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ اللَّهَ