< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah025
Al-Furqaan (25)
The Criterion, makkah, 77 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ فَيَتَناوَلُ أفْعالَ العِبادِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَفى الشَّرِيكَ ذَكَرَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى الشَّرِيكَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: هَهُنا أقْوامٌ يَعْتَرِفُونَ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ. فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُعِينَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، قالَ القاضِي: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ العَبْدِ خالِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾[المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ خَلْقَ الفَسادِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ قَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إلّا الحُسْنَ والحِكْمَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ بِظاهِرِها عَلَيْهِ، فَكَيْفَ ولا دَلالَةَ فِيها البَتَّةَ، لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَهو لا يَتَناوَلُ إلّا ما يَظْهَرُ فِيهِ التَّقْدِيرُ، وذَلِكَ إنَّما يَظْهَرُ في الأجْسامِ لا في الأعْراضِ. والجَوابُ:
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَهُما مُعارَضانِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾[الزُّمَرِ: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾[فاطِرٍ: ٣] وأمّا قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ التَّمَدُّحُ بِخَلْقِ الفَسادِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ نَظَرًا إلى تَقادِيرِ القُدْرَةِ وإلى أنَّ صِفَةَ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ والإعْدامِ مِنَ الوُجُودِ لَيْسَتْ إلّا لَهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ: الخَلْقُ لا يَتَناوَلُ إلّا الأجْسامَ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ خَطَأٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إضافَةَ الخَلْقِ إلى جَمِيعِ الأشْياءِ، مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ في العَقْلِ إضافَتُهُ إلَيْها.
السُّؤالُ الثّانِي: في الخَلْقِ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ مَعْناهُ: وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. والجَوابُ: المَعْنى أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا يُراعِي فِيهِ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، مِثالُهُ أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى هَذا الشَّكْلِ المُقَدَّرِ المُسْتَوِي الَّذِي تَراهُ، فَقَدَّرَهُ لِلتَّكالِيفِ والمَصالِحِ المَنُوطَةِ بِهِ في بابِ الدِّينِ والدُّنْيا، وكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ جاءَ بِهِ عَلى الجِبِلَّةِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ فَقَدَّرَهُ لِأمْرٍ ما، ومَصْلَحَةٍ ما، مُطابِقًا لِمّا قَدَّرَ غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ عَنْهُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِكم ؟
الجَوابُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ٤٢
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ في حَقِّنا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، أمّا في حَقِّهِ سُبْحانَهُ فَلا مَعْنى لَهُ إلّا العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمّا عَلِمَ في الشَّيْءِ الفُلانِيِّ أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وانْقِلابُ خَبَرِهِ الصِّدْقَ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَإذَنْ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مُرادٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرُ مُرادٍ وإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ لا يَتَلازَمانِ، وظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.وثانِيها: أنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الخالِصَةِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ، كانَ فِعْلُ العَبْدِ يُوجِبُ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ لَمْ يُجِبْ فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُرَجِّحِ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ وإنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ المُرَجِّحِ، فالكَلامُ يَعُودُ في ذَلِكَ المُرَجِّحِ، ولا يَنْقَطِعُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ وقَعَ بِقُدْرَتِهِ لَما وقَعَ إلّا الشَّيْءُ الَّذِي أرادَ تَكْوِينَهُ وإيجادَهُ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يُرِيدُ إلّا العِلْمَ