< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah025
Al-Furqaan (25)
The Criterion, makkah, 77 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ“، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ“ . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أخَذَ في فَصْلِ القَضاءِ قَضى بَيْنَهم بِقَدْرِ ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ إلى انْتِصافِ النَّهارِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُخَفِّفُ الحِسابَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَكُونَ بِمِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَقِيلُونَ مِن يَوْمِهِمْ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَصِحُّ القَيْلُولَةُ في الجَنَّةِ والنّارِ، وعِنْدَكم أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ لا يَنامُونَ، وأهْلَ النّارِ أبَدًا في عَذابٍ يَعْرِفُونَهُ، وأهْلَ الجَنَّةِ في نَعِيمٍ يَعْرِفُونَهُ ؟ والجَوابُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾[مَرْيَمَ: ٦٢] ولَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾[ الإنْسانِ: ١٣] ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَمْسٌ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نِصْفُ النَّهارِ ولا وقْتُ القَيْلُولَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ أطْيَبُ المَواضِعِ وأحْسَنُها، كَما أنَّ مَوْضِعَ القَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى ما اسْتَدْعَوْهُ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ ذَلِكَ في يَوْمٍ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَشَقُّقَ السَّماءِ بِالغَمامِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [ الِانْفِطارِ: ١] يَدُلُّ عَلى التَّشَقُّقِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾[البَقَرَةِ: ٢١٠] يَدُلُّ عَلى الغَمامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ جامِعٌ لِمَعْنى الآيَتَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾[النَّبَأِ: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾[الحاقَّةِ: ١٦] .
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ الكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَهُنا وفي سُورَةِ ق، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ كَما يُخَفَّفُ تَساءَلُونَ، ومَن شَدَّدَ فَمَعْناهُ تَتَشَقَّقُ.
صفحة ٦٥
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِالغَمامِ﴾ أيْ عَنِ الغَمامِ؛ لِأنَّ السَّماءَ لا تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ، بَلْ عَنِ الغَمامِ، وقالَ القاضِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى الغَمامَ بِحَيْثُ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِاعْتِمادِهِ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [ المُزَّمِّلُ: ١٨] .المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّ السَّماءَ مَقَرُّ المَلائِكَةِ، فَإذا تَشَقَّقَ وجَبَ أنْ يَنْزِلُوا إلى الأرْضِ، ثم قال مُقاتِلٌ: تَشَقَّقُ سَماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن سُكّانِ الدُّنْيا، كَذَلِكَ تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً، ثُمَّ يَنْزِلُ الكَرُوبِيُّونَ وحَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ يَنْزِلُ الرَّبُّ تَعالى.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَتَشَقَّقُ كُلُّ سَماءٍ ويَنْزِلُ سُكّانُها فَيُحِيطُونَ بِالعالَمِ ويَصِيرُونَ سَبْعَ صُفُوفٍ حَوْلَ العالَمِ، واعْلَمْ أنَّ نُزُولَ الرَّبِّ بِالذّاتِ باطِلٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ النُّزُولَ حَرَكَةٌ والمَوْصُوفُ بِالحَرَكَةِ مُحْدَثٌ، والإلَهُ لا يَكُونُ مُحْدَثًا.
وأمّا نُزُولُ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ فَعَلَيْهِ سُؤالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الأرْضَ بِالقِياسِ إلى سَماءِ الدُّنْيا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى الكُرْسِيِّ والعَرْشِ، فَمَلائِكَةُ هَذِهِ المَواضِعِ بِأسْرِها كَيْفَ تَتَّسِعُ لَهُمُ الأرْضُ جَمِيعًا ؟ فَلَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُ في طُولِ الأرْضِ وعَرْضِها ويُبَلِّغُها مَبْلَغًا يَتَّسِعُ لِكُلِّ هَؤُلاءِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المَلائِكَةُ يَكُونُونَ في الغَمامِ مِنهُ، واللَّهُ تَعالى يُسَكِّنُ الغَمامَ فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ