< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah024
An-Noor (24)
The Light, madinah, 64 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لَهُ وإلّا فَلا، فَإنْ قالَ عَنَيْتُ بِهِ نَبَطِيَّ الدّارِ واللِّسانِ، وادَّعَتْ أُمُّ المَقُولِ لَهُ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ، فالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. أمّا التَّعْرِيضُ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ وإنْ أرادَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: يا ابْنَ الحَلالِ، أمّا أنا فَما زَنَيْتُ ولَيْسَتْ أُمِّي زانِيَةً، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ وابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الحَدُّ فِيهِ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحَقُ: هو قَذْفٌ في حالِ الغَضَبِ دُونَ حالِ الرِّضا، لَنا، أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُحْتَمَلٌ لِلْقَذْفِ ولِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الحَدُّ، لِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وأيْضًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ» ولِأنَّ الحُدُودَ شُرِّعَتْ عَلى خِلافِ النَّصِّ النّافِي لِلضَّرَرِ. والإيذاءُ الحاصِلُ بِالتَّصْرِيحِ فَوْقَ الحاصِلِ بِالتَّعْرِيضِ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِما رَوى الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبّا في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: واللَّهِ ما أنا بِزانٍ ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فاسْتَشارَ عُمَرُ النّاسَ في ذَلِكَ، فَقالَ قائِلٌ: مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمانِينَ جَلْدَةً
صفحة ١٣٤
، والجَوابُ: أنَّ في مُشاوَرَةِ عُمَرَ الصَّحابَةَ في حُكْمِ التَّعْرِيضِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيهِ تَوْقِيفٌ، وأنَّهم قالُوا رَأْيًا واجْتِهادًا.* * *
المسألة الثّانِيَةُ: في تَعَدُّدِ القَذْفِ؛ اعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَقْذِفَ شَخْصًا واحِدًا مِرارًا أوْ يَقْذِفَ جَماعَةً، فَإنْ قَذَفَ واحِدًا مِرارًا نُظِرَ إنْ كانَ أرادَ بِالكُلِّ زانِيَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ: زَنَيْتِ بِعَمْرٍو قالَهُ مِرارًا لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، ولَوْ أنْشَأ الثّانِيَ بَعْدَما حُدَّ لِلْأوَّلِ عُزِّرَ لِلثّانِي، وإنْ قَذَفَها بِزَنَياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأنْ قالَ زَنَيْتِ بِزَيْدٍ، ثم قال زَنَيْتِ بِعَمْرٍو، فَهَلْ يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَعَدَّدُ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ ولِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَقَعُ فِيهِ التَّداخُلُ كالدُّيُونِ والثّانِي: وهو الأصَحُّ يَتَداخَلُ فَلا يَجِبُ فِيهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ لِأنَّهُما حَدّانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ واحِدٍ فَوَجَبَ أنْ يَتَداخَلَ كَحُدُودِ الزِّنا، ولَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ مِرارًا، فالأصَحُّ أنَّهُ يَكْتَفِي بِلِعانٍ واحِدٍ سَواءٌ قُلْنا يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أوْ لا يَتَعَدَّدُ. أمّا إذا قَذَفَ جَماعَةً مَعْدُودِينَ نُظِرَ، إنْ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بِكَلِمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والقِياسِ.أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْمِي المُحْصَناتِ وجَبَ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ قاذِفَ جَماعَةٍ مِنَ المُحْصَناتِ لا يُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ فَمَن أوْجَبَ عَلى قاذِفِ جَماعَةِ المُحْصَناتِ أكْثَرَ مِن حَدٍّ واحِدٍ فَقَدْ خالَفَ الآيَةَ.
وأمّا السُّنَّةُ: فَما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا، البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَلَمْ يُوجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هِلالٍ إلّا حَدًّا واحِدًا مَعَ قَذْفِهِ لِامْرَأتِهِ ولِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ فَأُقِيمَ اللِّعانُ في الزَّوْجاتِ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ.
وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ إذا وُجِدَ مِنهُ مِرارًا لَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَمَن زَنى مِرارًا أوْ شَرِبَ مِرارًا أوْ سَرَقَ مِرارًا فَكَذا هاهُنا، والمَعْنى الجامِعُ دَفْعُ مَزِيدِ الضَّرَرِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: