< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah024
An-Noor (24)
The Light, madinah, 64 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
دَواعِيَهم إلى جانِبِ المَعْصِيَةِ، ولَوْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ وُقُوعُ الفِعْلِ لا لِمُرَجِّحٍ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَما جازَ الِاسْتِدْلالُ بِالإمْكانِ والحُدُوثِ عَلى وُجُودِ المُرَجِّحِ، ويَلْزَمُ نَفْيُ الصّانِعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ (لَعَلَّ) عَلى سائِرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً:
الحُكْمُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى
﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ رَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ عَلى مَعْنى: فِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الزّانِيَةُ والزّانِي؛ أيْ: فاجْلِدُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (فاجْلِدُوا) وإنَّما دَخَلَتِ الفاءُ؛ لِكَوْنِ الألِفِ واللّامِ بِمَعْنى (الَّذِي) وتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى فاجْلِدُوهُما، كَما تَقُولُ: مَن زَنا فاجْلِدُوهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ ”والزّانِ“ بِلا ياءٍ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِيّاتِ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقْلِيّاتِ. ونَحْنُ نَأْتِي عَلى البابَيْنِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
النوع الأوَّلُ: الشَّرْعِيّاتُ، واعْلَمْ أنَّ الزِّنا حَرامٌ وهو مِنَ الكَبائِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَهُ بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾[الفُرْقانِ: ٦٨] وقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾[الإسْراءِ: ٣٢]،
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ المِائَةَ فِيها بِكَمالِها بِخِلافِ حَدِّ القَذْفِ وشُرْبِ الخَمْرِ، وشَرَعَ
صفحة ١١٥
فِيهِ الرَّجْمَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ الرَّأْفَةِ وأمَرَ بِشُهُودِ الطّائِفَةِ لِلتَّشْهِيرِ، وأوْجَبَ كَوْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الفاسِقَ مِن صُلَحاءِ قَوْمِهِ أخْجَلُ.وثالِثُها: ما رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يا مَعْشَرَ النّاسِ اتَّقُوا الزِّنا فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ؛ ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، أمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَيُذْهِبُ البَهاءَ، ويُورِثُ الفَقْرَ، ويُنْقِصُ العُمْرَ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَسُخْطُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وسُوءُ الحِسابِ، وعَذابُ النّارِ» “ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ”قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾[الفُرْقانِ: ٦٨]، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ البَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أُمُورٍ.
أحَدُها: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا.
وثانِيها: عَنْ أحْكامِ الزِّنا.
وثالِثُها: عَنِ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِتِلْكَ الأحْكامِ.
ورابِعُها: عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ حُصُولُ الزِّنا.
وخامِسُها: أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ مَن هُمْ؟
وسادِسُها: أنَّ الرَّجْمَ والجَلْدَ المَأْمُورَ بِهِما في الزِّنا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُما؟
البَحْثُ الأوَّلُ: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا؛ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إيلاجِ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ قَطْعًا، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللُّواطَةَ هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ الزِّنا أمْ لا؟ فَقالَ قائِلُونَ: نَعَمْ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ»“ وأمّا المَعْنى فَهو أنَّ اللِّواطَ مِثْلُ