< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah024
An-Noor (24)
The Light, madinah, 64 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
«يُؤْتى بِوالٍ نَقَصَ مِنَ الحَدِّ سَوْطًا، فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذاكَ ؟ فَيَقُولُ رَحْمَةً لِعِبادِكَ، فَيُقالُ لَهُ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ مِنِّي ! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ويُؤْتى بِمَن زادَ سَوْطًا فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ لِيَنْتَهُوا عَنْ مَعاصِيكَ، فَيَقُولُ أنْتَ أحْكَمُ بِهِ مِنِّي! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ أمْرٌ وظاهِرُهُ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّ الفُقَهاءَ قالُوا يُسْتَحَبُّ حُضُورُ الجَمْعِ والمَقْصُودُ إعْلانُ إقامَةِ الحَدِّ، لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الرَّدْعِ، ولِما فِيهِ مِن رَفْعِ التُّهْمَةِ عَمَّنْ يَجْلِدُ، وقِيلَ أرادَ بِالطّائِفَةِ الشُّهُودَ لِأنَّهُ يَجِبُ حُضُورُهم لِيُعْلَمَ بَقاؤُهم عَلى الشَّهادَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أقَلِّ الطّائِفَةِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَجُلٌ واحِدٌ وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ ومُجاهِدٍ. واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾[الحجرات: ٩] وثانِيها: أنَّهُ اثْنانِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وعَطاءٍ واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾[التوبة: ١٢٢] وكُلُّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ والخارِجُ مِنَ الثَّلاثَةِ واحِدٌ أوِ اثْنانِ، والِاحْتِياطُ يُوجِبُ الأخْذَ بِالأكْثَرِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَلاثَةٌ وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ، قالُوا الطّائِفَةُ هي الفِرْقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُكَوِّنَ حَلَقَةً، كَأنَّها الجَماعَةُ الحافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ أقَلُّ ما لا بُدَّ في حُصُولِها هو الثَّلاثَةُ. ورابِعُها: أنَّهُ أرْبَعَةٌ بِعَدَدِ شُهُودِ الزِّنا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وخامِسُها: أنَّهُ عَشَرَةٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، لِأنَّ العَشَرَةَ هي العَدَدُ الكامِلُ.
المسألة الثّالِثَةُ: تَسْمِيَتُهُ عَذابًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عُقُوبَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى عَذابًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ المُعاوَدَةَ كَما سُمِّيَ نَكالًا لِذَلِكَ، ونَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا بِهَذا الوَصْفِ،
صفحة ١٣١
لِأنَّهم إذا كانُوا كَذَلِكَ عَظُمَ مَوْقِعُ حُضُورِهِمْ في الزَّجْرِ، وعَظُمَ مَوْقِعُ إخْبارِهِمْ عَمّا شاهَدُوا فَيَخافُ المَجْلُودُ مِن حُضُورِهِمُ الشُّهْرَةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْوى في الِانْزِجارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الحَكَمُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
قُرِئَ ”لا يَنْكِحْ“ بِالجَزْمِ عَنِ النَّهْيِ، وقُرِئَ ”وحَرَّمَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، ثُمَّ إنَّ في الآيَةِ سُؤالاتٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ ظاهِرُهُ خَبَرٌ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ هَذا الظّاهِرُ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَنْكِحُ المُؤْمِنَةَ العَفِيفَةَ والزّانِيَةَ قَدْ يَنْكِحُها المُؤْمِنُ العَفِيفُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالمَرْأةِ الزّانِيَةِ، والجَوابُ: اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لِأجْلِ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو أحْسَنُها، ما قالَهُ القَفّالُ: وهو أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الأعَمُّ الأغْلَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاسِقَ الخَبِيثَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الزِّنا والفِسْقُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِ الصَّوالِحِ مِنَ النِّساءِ، وإنَّما يَرْغَبُ في فاسِقَةٍ خَبِيثَةٍ مِثْلِهِ أوْ في مُشْرِكَةٍ، والفاسِقَةُ الخَبِيثَةُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها الصُّلَحاءُ مِنَ الرِّجالِ ويَنْفِرُونَ عَنْها، وإنَّما يَرْغَبُ فِيها مَن هو مِن جِنْسِها مِنَ الفَسَقَةِ والمُشْرِكِينَ، فَهَذا عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ كَما يُقالُ لا يَفْعَلُ الخَيْرَ إلّا الرَّجُلُ التَّقِيُّ، وقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الخَيْرِ مَن لَيْسَ بِتَقِيٍّ فَكَذا هاهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ المُؤْمِنِ المَمْدُوحِ عِنْدَ اللَّهِ الزّانِيَةَ ورَغْبَتَهُ فِيها، وانْخِراطَهُ بِذَلِكَ في سِلْكِ الفَسَقَةِ المُتَّسِمِينَ بِالزِّنا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، لِما فِيهِ