< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah023
Al-Muminoon (23)
The Believers, makkah, 118 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، ووَلَدَتْهُ مِن دُونِ ذَكَرٍ فاشْتَرَكا جَمِيعًا في هَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ لِلْعادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ لِأنَّ نَفْسَ الإعْجازِ ظَهَرَ فِيهِما لا أنَّهُ ظَهَرَ عَلى يَدِهِما، وهَذا أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ نَحْوَ إحْياءِ المَوْتى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ فِيهِ وفِيها آيَةٌ فِيهِما، وكَذَلِكَ أنَّ نُطْقَهُ في المَهْدِ وما عَدا ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ لا أنَّهُ آيَةٌ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: (آيَةً) ولَمْ يَقُلْ: آيَتَيْنِ، وحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى الأمْرِ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِهِما أوْلى، وذَلِكَ هو أمْرُ الوِلادَةِ لا المُعْجِزاتِ الَّتِي كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَقِلًّا بِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا مَأْواهُما الرَّبْوَةَ، والرَّبْوَةُ والرَّباوَةُ في راءَيْهِما الحَرَكاتُ الثَّلاثُ، وهي الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ، ثم قال قَتادَةُ وأبُو العالِيَةَ: هي إيلِياءُ أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها الرَّمْلَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي بِمِصْرَ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّها دِمَشْقُ. وقالَ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: هي غُوطَةُ دِمَشْقَ. والقَرارُ: المُسْتَقِرُّ مِن [كُلِّ] أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ مَبْسُوطَةٍ، وعَنْ قَتادَةَ: ذاتِ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّهُ لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها، والمَعِينُ: الماءُ الظّاهِرُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ نِعَمِهِ عَلَيْها بِهَذا اللَّفْظِ عَلى اخْتِصارِهِ. ثُمَّ في المَعِينِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ؛ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ يُدْرَكُ بِالعَيْنِ، مِن عانَهُ: إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ فَعِيلًا مِنَ الماعُونِ، ويَكُونُ أصْلُهُ مِنَ المَعْنِ، والماعُونِ: فاعُولٌ مِنهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعِينُ: السَّهْلُ الَّذِي يَنْقادُ ولا يَتَعاصى، والماعُونُ: ما سَهُلَ عَلى مُعْطِيهِ، ثُمَّ قالُوا: وسَبَبُ الإيواءِ أنَّها فَرَّتْ بِابْنِها عِيسى إلى الرَّبْوَةِ وبَقِيَتْ بِها اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً، وإنَّما ذَهَبَ بِهِما ابْنُ عَمِّها يُوسُفُ ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أهْلِها بَعْدَ أنْ ماتَ مَلِكُهُمْ، وهاهُنا آخِرُ القَصَصِ، واللَّهِ أعْلَمُ.
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ