< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.

واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.

وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.

ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٨٧

صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ

والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾[ق: ١٩].

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.

القِصَّةُ الثّالِثَةُ

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُصُّ القَصَصَ في القُرْآنِ تارَةً عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كَما تَقَدَّمَ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَهاهُنا، وقِيلَ: المُرادُ قِصَّةَ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ ما أخْلى الدِّيارَ مِن مُكَلَّفِينَ أنْشَأهم وبَلَّغَهم حَدَّ التَّكْلِيفِ حَتّى قامُوا مَقامَ مَن كانَ قَبْلَهم في عِمارَةِ الدُّنْيا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ في هَذا الأجَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ آجالَ حَياتِها وتَكْلِيفِها، ويَحْتَمِلُ آجالَ مَوْتِها وهَلاكِها، وإنْ كانَ الأظْهَرُ في الأجَلِ إذا أُطْلِقَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ المَوْتِ، فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ لَها آجالٌ مَكْتُوبَةٌ في الحَياةِ والمَوْتِ، لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَلا تُوجَدُ إلّا عَلى وفْقِ العِلْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

صفحة ٨٨

[نُوحٍ: ٤]