< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنَّ هَذا المُجادِلَ فَعَلَ الجِدالَ وأظْهَرَ التَّكَبُّرَ لِكَيْ يَتَّبِعَهُ غَيْرُهُ فَيُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والكُفْرِ وإضْلالِ الغَيْرِ. وأمّا القِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا أدّى جِدالُهُ إلى الضَّلالِ جُعِلَ كَأنَّهُ غَرَضُهُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَيَوْمُ بَدْرٍ، رُوِّينا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يُخَصِّصُوا هَذِهِ الآيَةَ بِواحِدٍ مُعَيَّنٍ قالُوا: المُرادُ بِالخِزْيِ في الدُّنْيا ما أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِذَمِّهِ ولَعْنِهِ ومُجاهَدَتِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ:﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الخِزْيَ المُعَجَّلَ وذَلِكَ العِقابَ المُؤَجَّلَ لِأجْلِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَطالِبَ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إنَّما وقَعَ في ذَلِكَ العِقابِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ وفِعْلِهِ فَلَوْ كانَ فِعْلُهُ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ حِينَما خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ، وحِينَما لا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَحالَ مِنهُ أنْ

صفحة ١٢

يَتَّصِفَ بِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فَإذا عاقَبَهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ مَحْضَ الظُّلْمِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يَكُنْ ظالِمًا بِفِعْلِ ذَلِكَ العَذابِ لِأجْلِ أنَّ المُكَلَّفَ فَعَلَ فِعْلًا اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ العِقابَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ عاقَبَهُ لا بِسَبَبِ فِعْلٍ يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ لَكانَ ظالِمًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَعْذِيبُ الأطْفالِ بِكُفْرِ آبائِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ خِلافَ ما يَقُولُهُ النَّظّامُ، وأنْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنهُ خِلافَ ما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ.

الرّابِعُ: وهو أنْ لا يَجُوزَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُ؛ لِأنَّ عِنْدَهم صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْقُوفَةٌ عَلى نَفْيِ الظُّلْمِ، فَلَوْ أثْبَتْنا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لَزِمَ الدَّوْرُ، والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾

القِراءَةُ: قُرِئَ ”خاسِرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ“ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلى الحالِ والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”مَن ضَرُّهُ“ بِغَيْرِ لامٍ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُظْهِرِينَ لِلشِّرْكِ المُجادِلِينَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرْنا عَقِبَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ الحَرْفِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: ما قالَهُ الحَسَنُ، وهو أنَّ المَرْءَ في بابِ الدِّينِ مُعْتَمَدُهُ القَلْبُ واللِّسانُ فَهُما حَرْفا الدِّينِ، فَإذا وافَقَ أحَدُهُما الآخَرَ فَقَدْ تَكامَلَ في الدِّينِ وإذا أظْهَرَ بِلِسانِهِ الدِّينَ لِبَعْضِ الأغْراضِ وفي قَلْبِهِ النِّفاقُ جازَ أنْ يُقالَ فِيهِ عَلى وجْهِ الذَّمِّ: يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿عَلى حَرْفٍ﴾ أيْ عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ لا عَلى سُكُونِ طُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي يَكُونُ عَلى طَرَفٍ مِنَ العَسْكَرِ فَإنْ أحَسَّ بِغَنِيمَةٍ قَرَّ واطْمَأنَّ وإلّا فَرَّ وطارَ عَلى وجْهِهِ. وهَذا هو المُرادُ ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾لِأنَّ الثَّباتَ في الدِّينِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الغَرَضُ